جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


الفنان ستار كاووش ..واقعية التشخيص واستجابات الخيال الحالم


حسين ثامر بداي

يقول الفنان ستار كاووش في عمودهِ الاسبوعي “باليت المدى” في صحيفة “المدى” بعددها: “4949” 
“لا شيء مؤكد أثناء الرسم، ولا يوجد شيء حتمي ونهائي، وفي كل مرة تظهر لي احتمالات عديدة يمكنني توجيه اللوحة على ضوئها، لكني أختار في النهاية احتمالاً واحداً،
أستقر على صيغة نهائية وأتمسك بها لأنها الأقرب الى حساسية عيني في تلك اللحظة، يضاف الى أنها تثير لديَّ نوع من الفضول وشيء من العاطفة. لذا يمكنني القول، لا توجد لوحة مكتملة ابداً وكل اللوحات كان يمكن العمل عليها وتغيير شكلها النهائي الذي عُرِفَتْ به.”
ينغمس الفنان ستار كاووش في عالمه الفني الى حد التماهي في حيثيات اللوحة بموضوعها والوانها وخاماتها وماهية تقنيات العمل أثناء التنفيذ، قد نقرأ من خلال هذا القول انه يترك مايسمى ب “الصدفة” تأخذ حيزها في التشكيل الفني للعمل، إلا أننا لا نجزم بذلك، لأنه فنان، يبحث بأقصى حدود جماليات التنفيذ التي يؤديها، حيث انه يقوم بعمل تخطيطات مسبقة ويركب الأشكال، والخطوط واسقاطاتها، ومن ثم يهيئ لوحته للشروع بالرسم، فهو يقول في نفس العمود الصحفي الانف الذكر:
“أن لوحاتي لا أرسمها دفعة واحدة، بل أحاول وأجتهد كثيراً في رسمها، وأغير التفاصيل مراراً كي أصل الى النتيجة المناسبة، حتى أني لا أتذكر أن هناك لوحة كنت قد رسمتها في جلسة واحدة، وفي كل مرة أعود الى لوحتي التي ضننتُ أنها اكتملت،…...ساعات طويلة اقضيها في المرسم، أهادن الاشكال والخطوط محاولاً الانسجام معها وايجاد التوليفات والنسيج الملائم للشخصيات التي أرسمها، وغالباً ما أقوم بتصوير اللوحة وهي غير مكتملة،….. أتأمل صورة اللوحة غير المكتملة، وأفكر بالحلول الممكنة، بالاحتمالات المتاحة والفرص المتوفرة لنجاح المهمة،…...لا يمكن اكتشاف فرديتي العالية في الرسم ولا التوصل إلى تقنياتي واسلوبي ومعالجاتي الشخصية سوى من خلال العمل المضني الجاد، والمحاولات التي لا تتوقف. فلا أظن أن هناك رساماً حقيقياً واحداً يرسم ساعتين أو ثلاث ساعات فقط في الأسبوع، كما يفعل هواة الرسم أيام العطل، لذا فالفنان الحقيقي يعيش داخل أعماله وينتمي اليها، أنه يشبهها بشكل أكيد، وحتى الأشياء التي يحبها خارج الرسم تؤثر على لوحاته بشكل أو آخر، وبذلك يشكل الرسم في النهاية، الساحة المستديرة التي تتفرع منها خطوات حياة الفنان ومساراته الباقية.”
أن الفنان ستار كاووش فنان مثابر ومجد في نتاجه الإبداعي، يعي ما يريد البوح به، لايجعل من “الصدفة الفنية” هي من يقود مسار العمل الفني، فهو يدرك من خلال حسه الفني وخبرته المتواصلة في العطاء، ماهية أبعاد اللوحة وتأثيرها العاطفي عند المتلقي، فهو يريد منها ان تكون خطاب مشترك عبر نوافذه هو، حيث ما يراه بمخزون الوعي، متجسد على لوحات الحلم الحالمة بالسكينة والجمال.
ان من مفاهيم الفنُّ التشكيلي هي تراكيب الشكل الابداعي المتجلي فيما وراء او مع المعنى. حيث يكمن الفنُّ في خلق اللغة “البصرية” بصياغات ابداعية، قد تكون افتراضية، تستثير الفعل وردّ الفعل الفكري او الحسي عند المتلقي. إنه وسيلة التواصل حينما تعجز اللغة “السمعية” في أحايين كثيرة في تفسير ووصف محتواها. وضمن مسارات الفن يشخص البوح عن الاحلام، ولأن ما يعبر عنه بالفن وما يبثه هو في أجزاء كثيرة منه، فوق كل وصف، فإننا نجد من الصعب تحديده أو ترسيم معالمه. لكن المهم حين يتضح مفهوم الفن ما بين نتاج الفنان وتعبيره، وما بين وعي الجمهور بالفعل الفني وأثره البصري، على اعتباره فعل يشترك الجميع فيه بطرح الأسئلة والبحث عن المعنى من خلاله، تتجسد بعد ذلك اللغة المشتركة، وان كاووش يدرك أن الفنان هو من يبدع الصياغة الفنية واعادة تشكيلها.
وبما ان الفنّ هو فعل ابداعي، إذاً هو الدهشة بحد ذاتها. فهو في الغالب الأعم، تعبيرٌ عن الأفكار والمشاعر، وعن الحدس ايضاً، وهذا الجانب مهم عند الفنان كاووش، فبين الخيال والواقع توجد مناطق تكتسب خصوصيتها من لحظة العمل، وتشابك الطريقة التي تختزل فيها العوالم المدركة وغير المدركة، وهو الأمر الذي يعتبر امتدادا لشخصية الفنان. وقد ادخلنا الفنان ستار كاووش من خلال ذلك في عوالمه السحرية، فهو يقول في حوار معه: “أقول دائماً عن أعمالي أن فيها رمزية واضحة، ومثلما أحب أن أطلق على أعمالي تسمية الواقعية السحرية فأنا أيضاً أستخدم فيها رموز معينة أراها تناسب تجربتي الفنية، تراني في أعمالي أعيد بعض الرموز والإشارات بطرق مختلفة لأنها أثرت عليّ وهي تنسجم مع مناخي الفني وأسلوبي، ومن هذه الرموز، التفاحة والطاقية وظرف الرسالة والأصابع التي تتحرك بغنج والعيون الساهمة والمظلة والأجنحة التي تحلق بالعشاق والحالمين، هذه وغيرها الكثير تمثل لي تفاصيل ورموز أثرت عليّ بشكل أو آخر ووظفتها في أعمالي…”
احياناً يعتبر الفن التشكيلي بمثابة أيقونات تُقسِم وتُصنِف وتتواصل مع مفاهيم قد لا يمكن للكتابة وحدها التعبير عنها. ونحن هنا لسنا بصدد التفضيل أو المفاضلة بين “فن الرسم وفن الكتابة” وإنما نود ان نقول أنّ الكلمات احياناً وحدها قد لا تكفي لإيصال الانفعال الاني، فلا بدّ من ابتكار وسيلة متناغمة، تحمل وتتحمل طرق البوح. كما فعل “انسان الكهوف”، حين استعاض عن لغة النطق او لغة الاشارة بلغة الرسم، لكن هل يكفي المحتوى الذي يريد الفنان أن يطرحه حتى يكون هو الوسيلة الفنية الكافية لسبر أغوار المعنى؟. قد نلاحظ أن الفنان كاووش في أعماله يبتعد عن الانفعال في اللوحة، حيث اننا نلاحظ التأني واضح في حركة فرشاته وألوانه، وحتى في تعابير وجوه شخوصه الحالمة، وليس من الضروري أن يكون منفعلاً كي يوصل أحاسيسه كفنان بصري، بل نستطيع القول انه يكتم انفعالاته من خلال تأملاته للعمل قبل وأثناء وبعد التنفيذ، فهو يعرف كيف يصنع من الخوف تحدي، ومن المصدات اشرعة، ومن القبح جمال، ومن الحرب سلام، أنه يجد ضالته في التماهي داخل تفاصيل الحلم. او من خلال ملامح الشخوص وتلاصقها ببعضها، ومن خلال الخطوط وتقاطعاتها، فأن هذه التقاطعات والتداخلات وما يحيط بها، ماهي الا بمثابة تكسرات وموصلات لهرمية البناء الفني الذي يريد تأكيده من خلال التكرار، ليجعل منها وسيلة اتصال وثيقة ما بين المتخيل والواقعي والذي يشبه او ينتمي الى الحلم، هو يصنع عوالم متجانسة ومتداخلة، تنتمي الى الواقع ولا تشبهه.
وحسب تصريح “ايمانويل كانط” في فلسفته واعتقاده، بأن الفن لا ينبغي أن يكون له تمثيل بقدر مايكون له شكل يُحكم عليه كما هو، او بشكل ادق: “ان الفن ليس تمثيلاً لشئ جميل بقدر ماهو تمثيل الجميل لشئ ما” وهو ليس كما يفكر “أفلاطون” بأن الفن هو “المحاكاة” فأن الرسم عند الفنان ستار كاووش لايعني النسخ والتقليد أو محاكاة الواقع، إلا من حيث التوافق والتناغم الروحي، حيث انه من خلال هذا التعايش بين المألوف والمختلف يستلهم التجانس والانسجام الحسي، والتداخل الهارموني، وتناغمات اللون واشتقاقاته، فهو يقول: “أعمالي الفنية ليست محاكاة للواقع ولكني اهتم بمناخ اللوحة والأجواء التي تحيط بها” وكانه يريد ان يواجه القبح والدمار المتلاحق من خلال ترسيخ الوانه المتداخلة وجماليات تأثيرها على المشاهد. وكما يقول جيروم ستولنيتز:
«إن كل جمال الفن وعظمته ينحصر في قدرته على العلو على جميع الصور الفردية، والعادات المحلية، وشتى أنواع التفاصيل والجزئيات»،
المتأمل لأعمال الفنان ستار كاووش، يجد أن الموروث متجسد ومتلاقح وشاخص، ومن خلال هذا التشخيص والتلاقح، ورغم اختلاف الثقافات وعادات الشعوب، يرمز بواسطتها ومن خلالها، الى تلاقح تعويضي لبناء التكامل الإنساني المستلب، حيث انشطار الجسد وتلاحمه، استقامة الخطوط وتعرجاتها، هلامية الجسد وحضوره، أو كثافة اللون وتلاشيه في شفافية متجانسة،  فمن خلال تداخل الرموز وتكرارها، يعطي للمحتوى الكلي، معنى في البناء التصاعدي.
هل يكمن الفن في كيفية استخدام الوسائط والوسائل والأساليب أو التقنيات في توصيل الانفعالات او الفكرة المراد البوح بها؟ لقد جسد ذلك من خلال التداخل والتعاشق للعلائق المتجاورة بين الذاتي والمتخيل، ان الخطوط وانكساراتها اوالتعرجات، التي تتشكل من حركيتها، مثلثات ومربعات أو حتى التشكيلات الزخرفية، والتي أراد من بنائيتها أن تكون عوامل مكملة للعمل الفني، ورغم تجانسها وتناغمها الجمالي، الا انها تنم عن انفعال مكبوت ومسكوت عنه، لكنه كفنان يجسدها من خلال الشكل المتراكب والمتداخل للعمل الفني، يبوح بها بطريقته الخاصة.
الفن فعل منفتح على الفكر، يعطي ويأخذ، يحاور ويجادل، يحضر ويغيب، يقترب ويبتعد، يقول فيلسوف الجماليات “موريس ويتز-Morris Weitz” (أن خصائص الفن تختلف باختلاف مفهوم الفن ويتغير كذلك من عمل فني لآخر) وبالتالي، تتجسد الأعمال الفنية كحلم متصل في الشؤون الذاتية. ندخلها ما إن نغادر الدهشة. بنفس الطريقة، يتطلب الموقف الجمالي للتعاطي مع التجربة الفنية كغاية مطلقة قائمة بذاتها، يناديك الفن ويقترب منك ويطالبك أن تأتيه دون أي تحيزات، كوسيلة وطريقة لتذوق العمل الفني والإحساس به. ومع أنه في وسع المرء أن يخوض التجربة الجمالية من خلال المراس، إلا أن العمل الفني يتميز في كونه فعل تجريبي، بوصفه غاية في ذاته.
إن وجود التماهي ما بين المسافة الواقعة بين الأعمال الفنية وبين معترك الحياة اليومية، كفيل ان يجعل من مفهوم الجمال مفهوم عائم بين الفكر والحس. وان الفنان التشكيلي هو من يرى أن الحياة بمثابة لوحة، تماماً مثل المسرحي الذي يرى العالم كله مسرح.
وهذا ما نراه في أعمال الفنان كاووش، حيث انه “يغازل” اللون على سطوح أعماله الفنية، والتي جعل منها ملاذاً له بعد خروجه من الدمار الذي طال بلاده العراق، او حتى في الاماكن الاخرى التي لاتخلو من المصدات والعوائق التي حاول أن يتجاوزها ويصنع منها محفزات للعطاء الجمالي، فهو من خلالها يجسد احلامه، حيث يقول في لقاء معه: إن “كل المشاكل واللحظات المؤلمة التي يمكن أن تمر بي أنساها تماما وأنا أهمّ بالدخول إلى المرسم، أخلعها مثل رداء قديم وأنا أبدأ برسم لوحة جديدة. لوحاتي هي ملاذي، هي صندوق الدنيا الذي أخبئ فيه طفولتي وفرحي وألعابي القديمة….. في سنوات ماضية بعد خروجي من العراق لم أر أمي ولم ألتقي بها منذ سنوات طويلة جداً وكنت كل مرة أحلم بها، أحلم أني أطير بأجنحة الى بغداد للقاء أمي الغالية، الى أن فكرت ذات مرة وسألت نفسي لماذا لا أرسم هذا الحلم، وهكذا بدأت برسم سلسلة من اللوحات يظهر فيها أشخاص مجنحين، ابتدأتها بلوحة، شوق الى البيت، ثم جاءت بعدها أكثر من ثلاثين لوحة منها الملاك الحارس، الحلم الأزرق،
ملاك شارد الذهن، غواية الملاك، بعيداً عن الأرض، أجنحة الرغبة وغيرها الكثير”.
ما الجمال إذن؟ الجمال أكثر من مجرد مفهوم تزيني. فهو لا يتعلق بالمظهر الخارجي فقط بل يتعداه الى ماهو ابعد من ذلك. توجد العديد من الاعمال الجذابة، إلا أننا لن نشير إليها بالجميلة، او قد نشير اليها على انها جميلة، وقد نتفق أو لانتفق على جمال أعمال فنية دون سواها، إنما قد لا نتفق على جاذبيتها. هل الجمال هو مقدار انغماسنَا بالعمل الفني ومدى وصولنا إلى لغة الفنان وتصوراته حول عمله الفني؟. هل العمل الجميل هو ذاك العمل الفني الذي ينجح في تجسيد أشدّ انفعالات واحالات الفنان وأكثرها عمقًا ؟.
وسواء كان الانفعال ظاهر لنا او مخبوء، أننا نستشعر به، وسواء كان العمل الفني جذاب أم منفر، فإننا نستطيع ان نتلمس ماهيته، بطريقة ما، وفي نهاية المطاف ليس في وسع الفنان أو المشاهد التأكد من أن فكرة العمل الفني قد وصلت كما أرادها الفنان او كما استلمها المتلقي تمامًا. لأن الذائقة الجمالية مسألة  شخصية، ترتبط ارتباط وثيق بمرجعياته. الفن هو وسيلة للتصريح والبوح أو إحساس مكتوم يشخص بشكل جلي أثناء مباشرة العمل، أو هو فعل التأسيس لرؤية أخرى للعالم، لنقل إنه كل ما يبعث على المعرفة الحدسية. واعمال الفنان ستار كاووش تفعل ذلك الانغماس المتنامي بين الشكل ومضمونه. 
في كتابه الصادر سنة1981، (The (Transfiguration of the Commonplace، يزعم آرثر دانتو (Arthur Danto)، وجود خاصية للفنّ تربط مظاهره بسلوكيات الملاحظة لدينا بطريقة معقدة، والتي لن يعدو العمل الفني في حال غيابها أكثر من كونه “متناظرات مادية” أو “مجرد أشياء حقيقية”.
فإننا نلاحظ السعي الدؤوب عند الفنان ستار كاووش في أعماله الفنية من حيث اهتمامه الجمالي “Aesthetic Interest” وهو أحد مسارات الفن وشروطها التي يمارسها الفنان حتى في تأطير أعماله. فهل الجمال عند الفنان كاووش يكمن بمحض ذات الفنان أم أنه مفهوم مجرد، أم أنه يبحث عن الجمال الذي يكمن في عين الرائي؟ أن الجزئيات التي أفرغها ستار كاووش على أعماله جاءت في أغلب الأحيان على شكل اسقاطات لتكوينات مكثفة، لدرجة انها تتلاقح في علاقاتها مع العمل الفني ككل، مكونة بذلك للشكل النهائي وبقصيدة منه، وهذه الاسقاطات والتكوينات جائت بمثابة مرجعيات تعود للفنان وبيئته الام. فهو يركبها كعناصر متداخلة كتراكيب مركزية ضمن اطر يرى أنها مكملات سردية لحكايات اكتملت ويريد صياغتها بعين الفنان الجمالية.
وكما يقول جاك لاكوست: «الفن هو أن نخلق ما ليس بالموجود، أن نجمع كل لغات القلب والعقل، وأن نكتب فيها وبها ما هو خارج عن النفس، ما هو ليس في النفس، وما هو خارج عن العالم وليس فيه. لعل أهم ما في الفن أنه يعلمنا أهمية لحظة الخلق والإبداع، تلك اللحظة التي أخرج فيها عن نفسي للقاء الآخر، وكأنها لحظة غزل لا نهائية، لحظة عشق وتوحد، لحظة اتصال لا حدود لها». وانا اطلب من الفنان ستار كاووش أن يطلي خلفية لوحاته بشفافية “اللون التركوازي” الذي يحب ونحب، كي لا نرى مع تعاقب الزمن هذه الوجوه الجميلة وهي تتجعد فنحن لانريد ان ننظر اليها وهي تشيخ.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية