جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » نصوص


قصص قصيرة جداً


حنون مجيد

يوتوبيا زورق
ألقى زوادته من ماء وطعام في زورقه وركبه نحو المتاهات؛
تدفعه فورة من فتوة يافعة وغرور عنيد..
كان يعرف المسافات بين المحطات،
ويعرف مهالك الموج والريح إذا عاكست او اضطربت،
لكنه لم يكن يعرف أشياء تابعة أخرى مثل نفاد الطعام وأنت في بحر،
لذا كان مستعداً لمشاركة طيور البحر بعض طعامه كلما جاع وتزود بقسط منه.
كان يمتعه ذلك ويعدّه من مسرات رحلته النادرة،
لاسيما حينما تبدأ ترفرف فوق رأسه بأجنحة بيض، وتخصه بنظرات سود.
كان كل ذلك يجري في ثمل غائم،
والزورق سكران مبعثر الخطى بين الموجة والأخرى والشاطىء والاخر،
قبل ان يعثر الصيادون على زورق ضال،
في قعره رجل أكل الجوع بطنه فمات..

..ثم إنها
سالتها ما هذه اللعبة التي بين يديك حبيبتي؟
قالت هي لعبة لإزالة التوتر جدي.
صعقتُ إذ تصدر هذه الكلمة من طفلة في السادسة أو في السابعة.
والله يا عزيزي؛
عشت مع أبوي ستين أو سبعين،
ولم اسمع من أيً منهما كلمة مثل هذه التي تزلزل الجبال.
تطلعت في وجهي، وما تزال البراءة تملأ وجهها وقالت؛
ثم إنها من صنع صيني جدّو.

عدالة الحداثة
في المشفى العام، تقطع الطبيبة ريام طريقها ببدلتها البيضاء،
بين إبطها الأيسر ملفاً طبياً وفي يدها اليمنى هاتفها الجوال تتحدث فيه.
في الوقت نفسه وعلى المقابل منها،
تقطع طريقها عاملة التنظيف زهراء ببدلتها الخضراء،
مكنسنتها في اليمنى وهاتفها في يسراها تقهقه فيه.

لعبة اصطياد الفئران
سأل الملك وزيره العتيد؛
هل لك أن تعيد جمع هذه الفئران إلى هذا الكيس،
في حال ألقيتهاعلى الأرض؟
وأشار إلى كيس في يده، تتقافز داخله مجموعة فئران.
أجاب الوزير؛ في الحال سيدي ومن لها غيري؟
ألقى الملك فئرانه داخل الغرفة وقال؛ هيّا.
مضى الوزير يلاحق الفئران وهي تروغ عنه وتزوغ،
حتى غص بصغير منها دخل فمه.
قال الملك لعبيده؛
اجمعوها وأعيدوها إلى الكيس.
صرف الملك هؤلاء ووجه كلامه لوزيره؛
أنظر أيها الغبي ، وجعل يلفّ ويدور بالكيس مرة ومرات،
وحتى بدا له أن كل شيء أصبح على ما يرام،
ألقى بفئرانه على الأرض،
فتساقطت مسطولة تترنح في مشيها أو ترتمي على جنوبها،
ولم يكن عليه لجمعها سوى مَدّة يد قصيرة هنا وهناك.
هذه هي الطريقة المثلى وزيري البليد.
انصرف الملك وأغلق باب الغرفة على وزيره،
يتدرب على اصطياد الفئران حتى يوم قادم،
أو حتى أيام قادمات.

الجسر
سأله؛ إن كانت ثمة وسيلة مثلى.
أجابه؛ ليس سوى الجسر، حيث لا عظم يتهشم،
ولا لحم يتمزق.
هناك وهما يتعكزان نحو اللقاء،
يفاجآن بالشباب وبالسيارات يملؤون رصيفي الجسر،
كلّ يغني أو يرقص أو يطلق الأبواق.
يستخفهما طرب صريح ويغمرهما خطوة إثر خطوة في الجموع،
حتى يتساقط ما بين أيديهما تحت الأقدام.
وإذ يسبحان في عرق الرقص والغناء والتصفيق،
يكفّان وينسلان كلّ إلى بيته؛
هذا دونما عصا، وذاك دونما عكّاز.

نزاع صباغ
يقتعد كرسيه الخشب الصغير أمام مقهى وبائع صحف،
وينشر عدة الصبغ أمامه.
يتناول من صندوقه لفافة إفطار أعدتها له زوجه،
وحال يوصي على شاي ويقضم أولى لقيماته،
تحط حذاء على قمة صندوقه.
يعيد اللفافة إلى موضعها،
ويوالي عمله.
الشاي يبرد ويختلط لونه،
والبطن فارغة تخاطب شيئاً ظل محبوساً،
تحت تراكم الأحذية،
فيردد في علنه وفي سرّه؛ اللهمّ رزقك واللهمّ غفرانك،
والأحذية تتوالى على قمة صندوقه،
ولا تريد أن تبرحه هذا اليوم.

الليس بعد
تبنته ابناً لها مع فارق ما بينهما من مئات السنين،
فتسأله كلما مرت على طيفه الكريم؛
أما آن لهذا الفارس الجليل أن يترجل؟
تنزّ جراحه دماً ثقيلاً فتغسلها بماء الورد،
وتسمع منه،
ليس بعد.
تلتفت إلى أخيّات لها وتقول؛
إنه يقول؛ ليس بعد.
تقلن لها؛ إن أولادهنّ المصلوبين مثله،
يقولون الكلام عينه؛ ليس بعد.
تقول حسيرة؛
إنه حديث الأمة يا نساء مذ خلقتْ
هذا الليس بعد.

أنا الأستاذ.....
لبيت دعوته الطارئة للجلوس معه من دون أن أعرفه.
أوصى لي بقهوة بسكر خفيف، أم بلا سكر أستاذ؟
وبعد أن تفرس في وجهي قال؛ لعلك الأستاذ فلان أو لستَهُ لا أدري،
فان كنته  فسبحان الذي يغير الأشياء ولا يتغير.
ولما تفرست في وجهه ولم أعثر عليه،
ولم أكن أنا نفسي شيئاً مني بعد هذه السنين قلت؛
يخلق من الشبه أربعين..
ومضيت كما الريح خوفاً على قلب تلميذي المجهول،
أو هكذا قدّرتُ؛
أنا الأستاذ المعلوم بالظن فلان!

عكاز غوركي
كنت بين أمرين؛
أن أبقي صورتي وأنا صبي في إطارها كما هو شأنها منذ سنين،
أو أن أضع محلها حديثاً صورة غوركي بمعطفه الثقيل وعكازه الطويل،
وأنهي أرقاً تولاني بضع ليال.
حسمت أمري مع الرجل الذي قرأت له وعرفته،
ووضعت صورته في المقدمة وأخفيت صورتي خلفها.
الآن وقد لجأت الى العكاز،
أشرت لولدي أن يصورني بعكازي الجديد،
أسفل صورة غوركي بعكازه العتيد،
لتكتمل صورة الوفاء بين أديب معلم وأديب تلميذ.

الغجرية
صباحاً باكراً تتناول إفطارها؛
تمراً أو قرص شعير،
ومع ارتفاع الشمس تغادر خيمتها طلباً للرزق،
في صحراء يسكنها بدو، ويسلكها غجر،
ولا تعود إلا العصر.
كانت تعرف كيف تداوي آلام المفاصل وأوجاع الظهر،
لذا كانت أعشابها ودهونها معها،
كلما دخلت خيمة فيها أحد يشكو.
البدوي ذو السبعين الذي برحت تداويه،
استطاب له تمسيدها مفصل ركبته.
وهي ما تزال على عملها هذا،
أمسك بظاهر كفها وجعل يمسّده.
لم تسحب يدها إنما ارتخت قليلاً ما دام ثمة فعل يواكب فعلها،
حتى اشتبكت أصابعه بأصابعها.
أطرقت بنظرها نحو الأرض وفكرت في ما يريد الرجل منها،
ولما رفعت عينيها نحوه وجدته يضج برغبته فيها،
ويقول؛ غداً عندنا نحن البدو عيد،
وأجمل ما فيه أن يتقارب الأبعدون،
وفرح إذ سمعها تقول؛
ويصادف لدينا كذلك.
في الصباح لم تظهر المرأة للرجل،
فأعياد الغجر..
على ظهور الخيول.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية