جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


عالم غودار


إلى كريم سعدون صديقًا ومُفكّرًا

في جوهرِها السِّريّ، تتحركُ السينما مثلُ جنينٍ شبحيٍّ في رحمِ العدمِ، وليسَ ثمةُ عدمٍ سوى الزمنِ الذئبيّ، الذي هو لعبٌ كرستاليٌّ بمفهوم دولوز، ففيه يستكْنِهُ الكائنُ رغبتَه في الانوجاد داخلَ جسدِه بحذرٍ دائمٍ، وهذا النوع مـن الأفلام يأتي من استئكالِ الفكرِ للمخيال المنبعثِ من دواليبِ مصادرةِ العقلِ لمصادر التخييل الأولى التي هي الحواس،
ذلك لأَنَّ السينما هي زمنُ عبورٍ من الجسدِ إلى الحواس، وهنا يصبح دورُ العــــقلِ وسيطًا ناقلًا ليس إلّا ،لأنَّ عالمَها  مأخوذٌ بانتزاعِ المنطقِ من الأشــياء، والذهابِ بها إلى سديمِ الاغترابِ  التخييلي الذي هو الخلودُ، ما يمنحُ الســــينما سِمَةَ الزمنِ اللامتناهي، أي افتراض محاولةِ الدخولِ في الأَبدِ المِخياليّ الذي هو الزمانيَّةُ العميقةُ التي يكمنُ مضمونُها في لغزِ الموتِ والأبديَّة ،
في سياقِ هذه الرؤية الريكورية للزمن، نجد أنَّ لا أَوابدَ للزمنِ سوى العملِ على تحـفيزِ اليَبابِ الجسديِّ بالمُحفزِالحاسيِّ، فإنَّ بحثَنا عن عيِّنةٍ سينمائيَّةٍ تتطابقُ وهذه الرؤيا، فمن المُؤَكَّدِ أَنَّ الغوداريَّةَ هي المثالُ الحيُّ والحَـيويُّ في آن، فقد انبنتْ تجربتُه الفكريَّة للسينما على محاولةِ الزمنِ في الوقوفِ خــــــارجَ الزمنِ، مُلامسًا بذلك العصبَ الحيّ لزمنيةِ الجسدِ بذُهنيَّةِ الحذفِ، لأنَّ السينما هي العقل الذي شعور مباشر بالزمن بحسب فرامبتون ، ما يجعلَ الكاميرا في صــراعٍ شبحيٍّ مع الافتراضِ، وربَّ سؤالٍ يُطــرَحُ عن كيفـيَّةِ انعتاقِ الزمنِ من عالمِهِ الإطاري، وأَعني به إِدراكَنا للـزمنِ من خلالِ ما تعنيه آلةُ التصويرِ، ولاستغوار مجاهيل هذا السؤال ينبغي أولًا التعرُّفَ على موضعِ الكاميرا من مخيالِ المخرجِ، وهل جاءَتْ بمُهمَّةِ الاكتشافِ أَم الرّصد، ففي حال جاءت مكتشفةً، فهنا يصـبحُ عملُها فكريًّا ما يجعلها معنيَّةً بإنتاجِ المفاهيم، لتقعَ في (الفيلموسوفيا)*، أَي تجمع ما بين السينما والفلسفة في جغرافيَّةٍ فكريَّةٍ منزوعةِ الحدودِ  الفاصلة، وفي تبنّيهِ لذلك استطاعَ غودار من الإتيانِ بسينما غوداريَّةِ المنشأ، التي من سماتها الدخولُ في لعبةِ الحـذفِ الزمنيِّ، فالحضورُ والغيابُ، كلاهما يفتشُ عن إيقاعِه في الآخر، فلا غيابٌ ولا حضورٌ  خالصين، وإنما الضبابَ هو البوصلةُ التي يتلمَّسُ بها أحدُهما اتجاهَ الآخر، فتغدو الســـينما بالنسبةِ له محاولةً في أن يتعرَّف الزمنُ على لغتِه، فيمتدُّ ليبلغَ سريَّةَ ذلك الشبـحِ العبثيّ القاطنِ في اللازمنِ المتخيَّلِ برغبةِ الشيءِ في الاحتفاظِ بظلِّه. هذه الظليَّة العالية مُتأتيةٌ من اعتمادِ غودار استراتيجيةً تجريبيَّةً تتخذُ من الايقاعِ الفوتغرافي سياسةً صوريةً لا تعبأُ سوى بالاحتفاءِ بالمحوِ، فعند مشاهدة أحد أفلامه يستعيرُ الذهنُ نباهةَ الحاسةِ، نتيجة ما يحدث من لعبٍ دائريٍّ ما بين الزمان والمـكان معًا، فليس هناك زمانٌ ولا مكانٌ واضحي التضاريسِ في سينما غودار، لكونِهِ منهومًا بمحو التخومِ في ذهابِهِ نحو أحداثٍ صادمةٍ بحدثِها، لكنَّه يعمدُ إلى معالجتِها بإيقاعاتٍ باردةٍ، وكأنَّه يحتفي بدمى تبحثُ عن محرِّكها، فما يعنيه من الحدثِ هو أَن يجعلَ الزمنَ فعّالًا، من خلالِ امتصاصِ توتُّرِ الكاميرا للزمنِ الصوريّ، ورغم التقانةِ العاليةِ، تشعرُ وكأنّك أَمامَ عملٍ خامٍ خـالٍ من المونتاجيَّةِ التي بَرَعَ غودار في تدعـيم رُؤاهُ الفليمةِ بها، و التي أَهلته لأن يُنَظِّر للزمنِ سينمائيًّا، ذلك لأَنَّه يعتمدُ المسْحَ الصُّوريّ للحدثِ، مبتعدًا بذلك عنِ الحدثِ نفسِهِ، وفي هذا السياق تأتي تجربتُه من سديمٍ هلوسيّ كما يصِفُهُ الناقدُ كلود أولـييه، مُحاولًا بذلك ضخَّ عوالمَ عائمةٍ داخلَ العالمِ الواحدِ الصانعِ لتلك الصورةِ المُفـكَّكةِ زمكانياً، وهذا الاشتباكُ مصدرُه مطاردةٌ ظــليَّةٌ للزمنِ الغوداري، وإنْ كانَ التكثيفُ من ذلك قد ساعدَ السينما بمُجملِها من (بَوْلَسَة الزمن)، فدائمًا ثمَّة إنسـانٍ يتعقبُ موتَ ظلّهِ، فيغدو الزمنُ هو المجرمُ والضحيةُ في آن، لكنّها بوليسيّة اللامتناهي وليـست تلك الناتجة عن همومِ مرضيةٍ، ذلك لأن الزّمنَ هو الإنسانُ بحَسَبَ ابن المقفع، إذن هـذا النوع من البوليسيَّة هي وجودية الذات إزاء ما تواجه من جحيم، وتحدثُ عندما يلمسُ الإنســانُ عصَبَ حيرةِ الزمنِ داخلَه. إن اشتغالَه على ضرورةِ اجتراحِ سينما جديدة، جعلَ  كبارِ الفلسفةِ والنقدِ يرونَ في تجربتِهِ رِيادةً في التجريبِ والتغريبِ في آن، ويبدو من غيرِ المعقولِ أَن نستبعدَ  ثأثيراتِ بريخت، وأنه لِما يملكُ من مَكْرٍ رُؤْيَويّ استطاعَ الالتفافَ حولَ الإسرافِ التعليمي للنظريَّةِ البريختيَّةِ برؤى فلسفيّةٍ تفوقُ تأملاتِ العقلِ البريختيّ نفسِه، ما جعلَهُ يتصدرُ سردياتِ سينما مابعدَ الحداثةِ، فقد تبنّى في أفلامِهِ نمطًا سرديًّا مُتحررًا ومُغايرًا لِما كانَ سائِدًا آنذاك ، من ناحيةٍ أخرى يُظهرُ لنا غودار مَيْلًا واضِحًا في مُحاكاةِ الأَساطيرَ وتخليصها من وثنيات القصّ، و التثـاقفِ معها بما ينسجمُ والمأزقِ الإنســــانيّ والإيدلوجيّ،، كما حدثَ في إِخراجهِ ( الملك لير) مُؤكِدًا ما ذهبَ إليهِ الناقدُ يان كوت في مُـــؤلَّفِهِ (شكسبير مُعاصرُنا) فما طُرحَ على الشاشةِ،أَثبتَ بأَنَّ الغوداريَّةَ هي معملٌ فكريٌّ مؤهلٌ لإعادةِ تصنيعِ شكسبير الماضي، إضافةً إِلى استعرضِ الكثيرَ مـن الأَفكارِ الفلسفيَّةِ الشائِكَةِ والمُستعصِيَةِ على الفهمِ ومَدى ارتباطِها وما يحدثُ من مشكلاتٍ سياسيَّةٍ ومجازرَ ومشاعرَ كونيّة بأُســلوبٍ استغواري.
موجزُ القولِ أَنَّ عالمَ غودار هو العالمُ السريُّ لسينما العالم. وإنَّ الحديثَ عن عالمِهِ هو استكناهٌ لتأريخٍ فيلميٍّ مُمتدٌ من المَوجَةِ الفرنسيَّةِ الجَديدة، فدفاترُ السينما، فالماركسيَّةُ الجديدةُ على يدِ صديقِه الفيلسوف الآن باديو، الذي أَصرَّ غودار أَن يحضر بشخصهِ في فيلم (اشتراكية). ويتجلى الايقاعَ الأسطوريَّ للشعرِ في فيلم (بيرو المجنون)، وكذلكَ في فيلمِ الاحتقارِ المُعدِّ عن روايةِ الإيطالي ألبرتو مورافيا، وقد أَفاد من برود السّردِ في تقديمِ ملامحَ جليَّةٍ عن شعريَّةِ المَللِ، وتوظيفِها بِخِبرَةِ من يعي الأَسرارَ الخفيَّةَ لزمنِ الكاميرا.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية