جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


عقاب بلا جريمة.. ديستوفيسكي ضحية الحرب الروسية الأوكرانية


متابعة: تاتو
في حادثة اعتبرها كثيرون حول العالم مؤشرا على ما تخلفه الحروب من أحقاد وحسابات خاطئة في كافة مناحي الحياة، كشف أستاذ الأدب الروسي، باولو نوري، في جامعة بيكوكا الإيطالية بمدينة ميلانو، عن تلقيه رسالة من إدارة الجامعة، تطلب إلغاء سلسلة محاضرات كانت مجدولة عن أعمال الكاتب والروائي الروسي الكبير، فيودور دوستوفيسكي.
وعن الدوافع وراء هذا القرار، اكتفت الجامعة بالتعبير عن رغبتها في تجنب إثارة الجدل في إيطاليا، خاصة داخل الجامعة، في فترة يسودها التوتر الشديد، وفق مضمون الرسالة التي كشف تفاصيلها نوري نفسه، خلال مقطع مصور باللغة الإيطالية على منصات التواصل الاجتماعي.
ووصف الأستاذ القرار بالمخيف والسخيف، مضيفا أنه ليس بمقدوره تصديق أن جامعة إيطالية تمنع محاضرة عن كاتب بوزن دوستويفسكي، معتبرا القرار شكلا من أشكال الرقابة وتقييد الحريات.
وأضاف نوري: «حين قرأت الرسالة الإلكترونية، لم أصدق ما قرأته»، مشيرا إلى أن الحرب الدائرة في أوكرانيا تفرض علينا الحديث أكثر عن دوستويفسكي، لا حظر الحديث عنه».
وأججت هذه الواقعة عاصفة كبرى من الانتقادات داخل إيطاليا وخارجها حول العالم، حيث حذر العديد من رواد الشبكات والمنصات الاجتماعية، من أن تنعكس أجواء الحرب في أوكرانيا وما خلفته من توترات سياسية على ميادين الثقافة والأدب والفكر.
وقال المنتقدون إن هذه المجالات مشتركات إنسانية جامعة، لا ينبغي التعاطي معها وفق منطق القطيعة والتحريم والتجريم على خلفيات سياسية وقومية ومصلحية .
وتحت وطأة ردود الفعل الواسعة المنددة، أعلنت الجامعة بيكوكا الإيطالية إعادة العمل بالدورة المخصصة لأعمال عملاق الأدب الروسي.
وتعليقا على هذه القضية التي أحدثت ضجة واسعة في الأوساط الثقافية والأكاديمية حول العالم، يقول ماهر الحمداني، الناقد الثقافي والباحث المقيم في ألمانيا، في حوار مع «سكاي نيوز عربية»، :»يمكن فهم الخطوات المتخذة الآن في أوروبا عموما ضد روسيا ومصالحها، وحتى ضد الأدب الروسي المعاصر أو الحالي الذي ينتج الآن، لأن الأدب طالما كان أداة من أدوات السياسة والتأثير والدعاية والبروباغاندا ويمكن أن يغدو وسيلة في يد المتصارعين، وبالتالي قد يصنف كدعاية سياسية وعسكرية ويتم منعه، هذا في حال إنتاجه أثناء الأزمة أو الحرب».
لكن ما تم مع أستاذ الأدب الروسي الإيطالي، غير معقول تماما، بحسب الحمداني، الذي شدد على أن الأدب الروسي الكلاسيكي، وأبرز عمالقته ورموزه كدوستوفيسكي وتولستوي وتشيخوف وغوركي، والذي هو أدب عميق ومدرسة كبيرة لم يعد أدبا روسيا محضا، بل هو جزء من الأدب والتراث العالميين، والمفترض هو أن يكون محميا بالقوانين الدولية لمنظمة اليونسكو كونه جزء من التراث الانساني العالمي غير الحسي».
وأوضح أن كافة شعوب العالم يمكنها تذوق هذا الأدب العظيم والثري، كما يقول الباحث والناقد، مضيفا أنه «من المؤسف أن يتدنى المستوى الأكاديمي لدرجة أن تقوم جامعة أوروبية بمثل هذا الإجراء، فالحرب ستنتهي لكن الأدب خالد، ودوستويفسكي حاضر وبقوة عبر روائعه في ضمائر وأفكار مختلف قراءه حول العالم، وهم بالملايين».
ويختم الحمداني :»هذه الخطوة لا تتماشى مع مفهوم وروح الجامعة، التي هي ميدان حر لطرح وتبادل الأفكار والرؤى حتى لو كانت محرمة، وبالتالي أتمنى أن تكون هذه حادثة معزولة، وأن تتوقف هذه الهستيريا التي تحاول شيطنة كل ما هو روسي، وشيطنة الأدب والفن والثقافة والمجتمع في روسيا».
يصنف دوستويفسكي كواحد من أعظم الأدباء والروائيين العالميين، إن لم يكن الأهم على الاطلاق على صعيد الأدب الروسي، حيث حقق شهرته عبر الأعمال الأدبية الخالدة التي ألفها، من طينة الإخوة كارامازوف والجريمة والعقاب والأبله والشياطين، وقد ترجمت رواياته لأكثر من 170 لغة حول العالم.
وعندما رحل دوستوفيسكي في العام 1881، ترك وصية لمن يرغب في زيارته :»الزهور التي ستشتريها عند زيارتك لقبري، لا داعي لها ولا داعي لأن تبكي فوق رأسي، اشتر طعاما وأعطه لحارس قبري».
وأعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ( اليونسكو )، 2021 كعام فيودور دوستويفسكي بمناسبة حلول المئوية الثانية لميلاد عملاق الأدب الروسي المولود في العام 1821 في العاصمة الروسية موسكو.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية