جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


حول رسائل تشيخوف بترجمة الضامن


ضياء العبيدي

على عكس الاخبار الكئيبة الاخرى في عالمنا العربي بشكل عام , والتي نسمع بها يوميّا , فان آخر الاخبار عن الكاتب الروسي تشيخوف في عالمنا العربي مختلفة تماما , وهو ما اريد ان اتكلم حوله قليلا مع القراء الآن في هذه السطور .
لقد نشرت قبل فترة قصيرة مقالة بعنوان – المترجمون العراقيون وتشيخوف , وفوجئت بردود فعل متنوعة لهذه المقالة , ومن جملة ردود الفعل هذه - اتصال الزميل عبد الله حبه هاتفيّا  , والذي  اخبرني فيه , ان الكلمات التي كتبتها عن الراحل خيري الضامن في تلك المقالة , والتي اقترحت فيها ضرورة نشر رسائل تشيخوف التي ترجمها الضامن ( في طريقها الى التحقيق فعلا !) , وتبين , ان الضامن قد كتب الى عبدالله حبه رسالة قبل رحيله بشهر تقريبا , واخبره فيها , ان يتصل بابنته في حالة رحيله ( وكأنه كان يشعر بذلك كما قال لي عبد الله ) والاتفاق معها بشأن اصدار رسائل تشيخوف التي انتهى من ترجمتها عن الروسية , ويقول عبد الله  , ان هذا ما تم الان فعلا , وان رسائل تشيخوف تلك ستصدر قريبا عن دار النشر التي جرى الاتفاق معها حول نشر تلك الرسائل بترجمة المرحوم خيري الضامن ,  وسيكون هذا العمل  تتويجا لمسيرة حافلة من الابداع الترجمي للضامن في مجال نصوص الادب الروسي و الدراسات النقدية عنه , وفي حالة تحقيق ذلك ( واتمنى ذلك من اعماق قلبي ) , ستكسب المكتبة العربية مصدرا رائعا ومهمّا لمعرفة تاريخ الادب الروسي عموما , ومصدرا فريدا وأصيلا للاطلاع على ابداع تشيخوف نفسه والتعمّق في دراسته وتفهمه واستيعابه, اذ سجّل الكاتب الروسي في تلك الرسائل واقعيا – وبحرية كاملة -  كل افكاره ومفاهيمه حول الادب والفن كما كان يراها حوله اثناء مسيرة حياته القصيرة نسبيا ( عاش تشيخوف 44 سنة فقط ليس الا ).
توجد في المكتبة العربية طبعا بعض المصادر حول رسائل تشيخوف , منها مراسلاته مع غوركي , التي صدرت في دمشق بترجمة جلال فاروق الشريف , وبطبعتين ( الطبعة الاولى عام 1953 والثانية عام 1983)  ومن الممكن جدا ان هناك مصادر عربية اخرى لا أعرفها حول تلك الرسائل , الا ان مجموعة رسائل تشيخوف الحقيقية بالروسية تشغل (12) مجلدا في مؤلفاته الكاملة , التي صدرت ب(30)  مجلدا في موسكو , وهذا يعني , ان الرسائل تشكّل نسبة أكثر من ثلث مؤلفاته الكاملة بأسرها , وهي موزعة حسب سنوات كتابتها في تلك المجلدات المذكورة , وهناك دراسات نقدية كثيرة باللغة الروسية حول الافكار التي وردت في تلك الرسائل , اذ استطاع الباحثون في ابداع تشيخوف ان يحددوا مواقفه الفكرية و آرائه الفنية والجمالية في دراستهم لتلك الرسائل باعتبارها وثائق لا تقبل الشك او التأويل بالنسبة للكثير من القضايا الادبية خاصة والحياتية عامة , ويمكن لنا الاشارة – ليس الا – الى عدة مصادر روسية في هذا المجال , منها كتاب مهم في تلك الدراسات عنوانه – (تشيخوف / عن الادب والفن) , والذي اصدرته دار نشر اكاديمية العلوم السوفيتية عام 1954 , ويقع في 460 صفحة من القطع المتوسط , و يعتمد هذا الكتاب على قراءة دقيقة لرسائل تشيخوف , ويستخلص منها مواقفه تجاه قضايا الادب والفن ( رغم ان تشيخوف نفسه كان يتجنب المشاركة في مثل هذه النقاشات ويبتعد عنها) , وتتناول فصول ذلك الكتاب أقوال تشيخوف عن الادب واهميته الاجتماعية , وعن اللغة والاسلوب وبنية النتاج الادبي , وكيف يعبّر الابداع الفني نفسه عن موقف الكاتب الاخلاقي والسياسي , وعن الادب المسرحي , وعن النقد الادبي ومهماته , وآراء تشيخوف حول ابرز الادباء الروس و عن بعض الادباء الاجانب , وكذلك توجد أقوال تشيخوف عن الصحافة الروسية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين . 
لا اعرف انا شخصيا عن ترجمة الضامن لتلك الرسائل شيئا , ولا أظن انه قد ترجم (12) مجلدا من مؤلفات تشيخوف الكاملة , التي تضم تلك الرسائل بأكملها , ولكني على ثقة كاملة ومطلقة , ان المرحوم خيري الضامن قد ترجمها الى العربية بشكل رائع  , اذ المعروف عنه , انه  يقدم اعمالا ترجمية حقيقية  وبشكل احترافي متقن , وليس عبثا , ان اسمه اصبح رمزا  للاعمال العملاقة الرزينة والمعتمدة علميّا في دنيا الترجمة , وفي كل الاحوال , لننتظر هذا الجهد الكبير , وعندها يمكن لنا ان نحدد الرأي بشأنه , ومهما تكن كميّة تلك الرسائل المترجمة من المجموعة الكاملة  لرسائل تشيخوف, فان كتاب خيري الضامن هذا سيعدّ مساهمة مهمة في المكتبة العربية حول الادب الروسي بشكل وحول تشيخوف طبعا قبل كل شئ.
رسائل تشيخوف – عالم متكامل من الافكار العميقة والرشيقة والاصيلة مثل قصصه ورواياته القصيرة ومسرحياته ذات الفصل الواحد او اعماله المسرحية الشهيرة , ولنتأمّل مثلا  هذا المقطع - ليس الا -  من رسائله العديدة - (..... أنا بصحة جيدة , لكني اصبحت  كسولا بشكل رهيب , ولا أعمل اي شئ , وهذا أسوأ من المرض ....) , الا يثير هذه المقطع الصغير ابتسامتنا , ويجعلنا نفكّر- في آن واحد- بتفسير مغاير لمفاهيمنا عن الصحة والمرض ؟



المشاركة السابقة : المشاركة التالية