جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


كتاب الهروب


عبد الخالق كيطان

بيت جديد
لم يطل بنا المقام في البيت المؤقت، ذلك أن المنظمة شجعتنا على البحث عن سكن جديد بإيجار مناسب، فانتقلنا إلى منطقة ويست كرويدن التي لا تبتعد كثيراً عن وسط المدينة.
وفي البيت الجديد بدأنا نؤثث، بمساعدة الصديق القاص عبد الجبار ناصر، الذي قطع أكثر من 1500 كيلو متر قادما بالباص من سيدني إلى أديلايد لزيارتي. ذهبنا أنا وهو عدة مرات لشراء ما نحتاجه في المنزل.. كان عبد الجبار ناصر قد وصل أستراليا قبلي بحوالي أربعة أعوام، ومنذ ذلك التاريخ ظل يقيم في مدينة سيدني.. ولما تهاتفنا بعد وصولي إلى أديلايد قرر زيارتي، وفعل.. على أن أجمل ما هداني إليه صديقي هو زيارة البحر... لقد كانت المرة الأولى بالنسبة لي التي أقف فيها أمام الشاطئ الأسترالي. لا.. بل شاطئ بحر عموما. إنه هنا شاطئ المحيط...
في وسط المدينة ثمة ترام عتيق يصل إلى ساحل غلينيننغ، وهو ساحل سياحي خلاب يعد أهم سواحل مدينة أديلايد.. والترام يقطع شارعاً حيوياً في ضاحية غلينيننغ تملؤه المحال التجارية والمطاعم المختلفة.. وتصل نهايته قريباً من الشاطئ، وبالقرب من فندق ستامفورد الفخم.. تنزل أفواج الركاب لتصعد أفواج أخرى تريد الذهاب جهة المدينة... كان اكتشاف المكان، بالنسبة لي، ولم يمض على وجودي هنا سوى أسابيع قليلة اكتشافاً مذهلاً... وسأقضي السنوات الستّ القادمة غير بعيد عن هذا الساحل، خاصة عندما عملت لعامين متتالين بصفة سائق سيارة أجرة، فقررت أن يكون مكان عملي الرئيس في ضاحية غلينيننغ هذه..
في ويست كرويدن هيأت بعض العرق* الذي كنت جلبته معي من عمان، وسمكة اشتريتها من السنترال ماركت وبدأنا، أنا والصديق عبد الجبار ناصر، الاحتفال. كان احتفالاً بوصولي، أو بخلاصي من محرقة البلاد، وربما بعذابي الذي سيبدأ هنا حال انتهاء فورة الدهشة... ثم ذهبت إلى حديقة المنزل وتناولت بعض سعف النخيل وما شابه محاولاً أن أشوي السمكة على طريقتنا العراقية التقليدية، وكانت ليلة فيها من السخرية والمرح ما لا يوصف.. على أنني في منتصف السهرة دخلت الحمام وأطلت قليلاً.. فلما خرجت لم يصدق صاحبي ما رأى.. ذلك أنني كنت قد حلقت رأسي بالكامل.. وضحكنا من جديد..
رجع عبد الجبار ناصر إلى سيدني بعد حوالي أسبوع.. وكان عليّ أن أبدأ بترتيب وضعي الجديد في مدينة لا أعرف فيها أحداً.. وأول شيء فعلته كان خط الانترنت.. وعندما هيأت ذلك دخلت من جديد في دوامة الأزمة العراقية التي كانت تتعقد كل يوم.. لقد تركت العاصمة الأردنية عمان بعد عمل صعب، ولكنه أنيس مع أكثر من فصيل عراقي معارض.. وهذا العمل جعلني أقضي أغلب وقتي في متابعة الشأن السياسي والثقافي العراقي بأدق تفاصيله.. لقد كان صديقي الذي تركته ورائي في عمان علي عبد الأمير المصدر الأساس لتذليل الصعاب التي واجهتني في العاصمة الأردنية..
حال وصولي إلى مدينة أديلايد بدأت البحث عمن يعينني على شراء جهاز كمبيوتر. وبعد أن اشتريته، بمعونة شخص إيراني صار صديقاً لي فيما بعد، بل أنه أعطاني دروساً في قيادة السيارة وأشرف على منحي إجازة السوق، نصبته في المنزل المؤقت. كنت أنزل إلى المدينة بشكل يومي كي أفتح إيميلي وأستلم بعض التقارير الصحفية التي تصلني من مجموعة من الأصدقاء لصالح مركز إعلامي معارض لنظام صدام كنت شرعت بتأسيسه قبل سفري إلى أستراليا بتكليف من شخصية معارضة عرّفني عليها علي عبد الأمير في عمان... لم يستمر العمل طويلاً، فتوقف المركز، ولا أدري إن كان ذلك بسبب غيابي عن عمان أو انتفاء الحاجة إليه في العام 2002.. علاقتي لم تنقطع بالطبع مع أصدقائي في عمان بالرغم من بعد المسافة. ثم كانت المصادفة قد جلبت لي أكثر من صديق إلى مدينة أديلايد، فوصل عماد حسن أولاً، ثم سلام دوّاي وأديب كمال الدين... كما وصل إلى مدن أسترالية أخرى عدد كبير من الأصدقاء الذين تركتهم في عمّان، وكان صعباً أن ألتقي بهم هنا بسبب المسافات الشاسعة التي تفصل بين المقاطعات الأسترالية. ولكنني كنت أزور سيدني بإستمرار فألتقي بمن يقيم فيها من الصحب، قبل أن أنتقل إليها نهائيا عام ٢٠١٤، أي بعد هروبي الثاني من العراق.
عانيت من مشاكل عديدة في منزلي، ولا أجد ذلك ضرورياً للخوض فيه الآن، ولكن ما أردت قوله أني لم أهنأ أبداً في العيش الكريم الذي وفرته لي هذه المدينة الهادئة... حاولت أن أنتقل إلى سيدني أكثر من مرة هرباً من تلك المشاكل وكنت أفشل على الدوام.. وبالطبع لم أستطع المضي قدماً في دراستي، كما أنني انخرطت في أعمال مرهقة طلباً للعيش أو هرباً من مشاكلي الشخصية..
أديلايد
في أثناء التحضيرات الدولية لحرب الإطاحة بالديكتاتورية كنت على وشك الالتحاق بالعراق من خلال المؤتمر الوطني، أو حركة الوفاق، ولكن كلتا المحاولتين فشلتا في آخر لحظة... حزنت لذلك كثيراً فلقد كنت تواقاً لمشاركة أبناء شعبي فرحة سقوط الديكتاتورية... انشغلت بعد ذلك بمتابعة الأحداث التي أعقبت الحدث، وهو انشغال كان يأخذ أغلب وقتي عندما أكون في البيت، وكان يشغل رأسي عندما أكون خارجه...
الأحداث كانت تترى في البلاد حيث بدأت موجة السيّارات المفخّخة والعنف الطائفي والاغتيالات ألخ.. ذلك كله وظرفي الشخصي منعني من الذهاب لبلادي بالرغم من رغبتي الجامحة لتحقيق هذه الأمنية، والتي استطعت تحقيقها بعد أن شهدت البلاد بعض السلم الأهلي أوائل العام 2008. أمضيت شهرين زرت خلالهما مدن: البصرة، العمارة، الكوت، الديوانية، النجف، كربلاء، بغداد.. عدت بعدها إلى أديلايد، ولم يمض كثير وقت حتى انتقلت للعيش في سيدني، ثم بدأت التحضير بشكل جدي للعودة النهائية للعراق... ولقد ركبت في الطائرة أواخر شهر تشرين الأول من العام ذاته متجهاً إلى الكويت ومنها إلى العمارة في العراق. في نيتي عودة نهائية إلى بلادي.
لقد عملت في مهن لا أعرف عنها شيئاً بسبب حاجتي للعمل من جهة، ومن جهة ثانية بسبب من شحّ مؤهلي التقني والمهني... هكذا وجدت نفسي قاطفاً للفاكهة في مزارع الجنوب الأسترالي مع عماد حسن. أبدأ يومي منذ الساعة الخامسة فجراً ولا أعود إلى المنزل إلا في الخامسة مساءً، وبالطبع لم أصبر طويلاً في هذا العمل المرهق والشاق بالنسبة لي... ثم عملت منظفاً في بعض الشركات المختصة، ولم أعمّر طويلاً في هذا العمل أيضاً حتى قررت أن أقود سيارة أجرة، على اعتبار أن هذه المهنة تعد من أسهل المهن وهي لا تتطلب مهارات استثنائية أو عضلية... دخلت دورة خاصة لنيل إجازة السوق الخاصة بسيارات الأجرة، وجلست خلف المقود لحوالي عامين.. كنت أعمل من الساعة السادسة مساءً ولغاية السادسة صباحاً ثم عملت لبضعة شهور في التوقيت المعاكس (من السادسة صباحاً وحتى السادسة مساءً).. ولقد كانت هذه المهنة أكثر شيء في أديلايد منحني خبرة حياتية، وهذا ما كان قد شرحه لي صديقي حسن ناصر الذي عمل بدوره سائقاً لسيارة أجرة لفترة طويلة في سيدني.. ومن خلال ذلك تعرفت إلى الكثير من المعارف: تعرفت إلى الناس، اللغة، الملبس، المأكل، العادات والتقاليد وما إلى ذلك.. ولكن ساعات العمل الطويلة أرهقتني وكنت أنام قليلاً وأقرأ في السيارة أثناء ساعات الانتظار، أما الكتابة فهجرتها بشكل شبه كامل، وكنت أكتب القليل من الشعر أثناء العمل.. بدأت أعمل أول الأمر لستة أيام ثم خفضتها إلى خمسة فأربعة... كان، بيتر، صاحب السيارة التي أشتغل عليها، من أصول يونانية، ولكنه أعلن إسلامه بعد زواجه من امرأة ماليزية مسلمة فصار أسمه يوسف.. وقبل بدء نوبتي المسائية كنت أدردش معه بانتظار السيارة التي يشتغل عليها في النهار سائق ألباني مسلم اسمه رجب، فنتبادل أطراف الحديث حول العراق والشرق الأوسط وأستراليا. كم نصحني بيتر بالتركيز على عملي ومعيشي في أستراليا منطلقاً من أن هذا البد يوفر لناسه كل شيء وما عليهم سوى استغلال الفرصة وترك الماضي وراء ظهورهم! ولكني كنت أكابر وأنا أحدثه بلغة انجليزية ركيكة عن الشعر والإعلام والسياسة والديكتاتورية!



المشاركة السابقة : المشاركة التالية