جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » متابعات


غابات ألمانيا – هوية الشعب وروحه الخلاّقة


ملهم الملائكة
لا أنسى قط أول مرة حلقت بي الطائرة فوق الأراضي الألمانية، كان صيفاً مفعماً بالأمطار في مطلع الألفية الثالثة، وهالني أنّ هذا البلد هو عبارة عن غابة مترامية الأطراف تتخللها كل مظاهر التمدن. ألمانيا من السماء سجادة خضراء تسر الناظر، والحديث عن ذلك له علاقة بتاريخ شعب الغابات، وجغرافية أوروبا التي ما برحت تظهر خضراء على الخرائط.
غابات ألمانيا هي جزء من تاريخ الشخصية الألمانية على مدى قرون، وطالما وصفهم الأوروبيون بأنهم شعوب الغابات (قبل الوحدة الألمانية التي صنعها بسمارك كانت الكتلة الألمانية في أوروبا إمارات ودوقيات متحاربة غالباً). وعلى مدى قرون صاغت الغابات تعريفاً روحياً وميثولوجياً للشخصية الألمانية، وألهمت السحر والجمال وروح التحدي والصمود في نفوس الناس، فاكتسبت مظهراً واضحاً في الأدب والرسم والموسيقى يتلمسه المرء في وتريات موتسارت وطبول بيتهوفن ونحاسيات باخ، ولعل الأشهر بين العالم هو أقاصيص الأخوين غرم Brüder Grimm التي نشراها في القرن التاسع عشر. وشخصيات مثل هانزيل وغيرتيل، وريد هايدنغ هود جسدت نمط الحياة الحالمة في الغابات راسمة ملامح الملاذ الألماني الدائم الذي يوفر مناخ التعلم الآمن الحالم لشعب ترعرع بين غابات الزان والحور والبتولا والصفصاف الباكي.
وبالنسبة للرومانسيين الألمان في أواخر القرن الثامن عشر، مثّلت الغابة رمزاً للوحدة والنقاء، وجسّد تعبير waldeinsamkeit أي „الوحدة في الغابة“ مشاعر هدوء النفس الداخلي التي يحس بها المرء حين يكون في الغابة. هذا التعبير استثمره النازيون في القرن العشرين، لتعميم مفهوم أن „الغابة هي شارة التضامن الثقافي الألماني“، وصار الحزب الوطني الاشتراكي يحث الناس على زراعة شجر البلوط الألماني في حدائق بيوتهم وفي مزارعهم تعبيراً عن حبهم لأدولف هتلر. ونجح الأدب الرومانسي في إزاحة مفاهيم القرون الوسطى التي كانت تعتبر الغابات مصدراً للرعب وملاذاً للشياطين والساحرات والخارجين عن القانون.
على صعيد الضد، وفي أوج الحرب الباردة، كان التثقيف في بلدان العالم الثاني (الكتلة الشيوعية) وبلدان العالم الثالث (الدول النامية) يكرّس مفاهيم غائمة ضبابية تفيد أنّ التطور الصناعي والتمدن الرأسمالي السريع يجري على حساب الأرض مواردها. ورسّخت تلك الثقافة في أذهان الناس أنّ أوروبا قد قضت على الحياة الطبيعية وتحولت إلى مجرد مدن يغلفها الرصاص وأبخرة التلوث الحامضية، وبات اللون الرمادي هو السائد فيها بعد أن قضت الحضارة على الطبيعة. وربما كان هذا هو الوضع فعلاً، حتى مطلع القرن العشرين، لكنّ الأمور بدأت تتغير، وصار الأوروبيون يهتمون للحياة الطبيعية، وصاروا يسعون للمحافظة على الغطاء النباتي، وشاعت حركات ومنظمات تدعو وتنشط لحماية الأنهر وخاصة الراين في ألمانيا، والسين في فرنسا، والثيمز في بريطانيا، باعتبارها شرايين الحياة الكبرى في تلكم البلدان. وشهد النصف الثاني من القرن العشرين نهضة فكرية رائدة قاربت غالباً الحركات اليسارية الأوروبية، وأعادت الخضرة والينع إلى أوروبا، وأحيت إلى حد كبير مساحات الغابات، وساهمت في تشجيع الحياة مع الطبيعة، فظهرت بيوت الغابة في كل مكان، علاوة على مئات الجمعيات التي تحمي الغطاء النباتي والتنوع الحيواني. وما لبثت تلكم الحركات أن انفردت عن التيارات اليسارية في تنظيمات تهتم بالبيئة، ومنها ظهرت حركة الخضر على مستوى عالمي، ثم دخل حزب الخضر ميدان السياسة فبات حزباً كبيراً مؤثراً في الحياة السياسية في الدول الأوروبية.
الغابة موطن السحر والشياطين!
قبل ألفي عام، وصف تاسيتوس جرمانيا بأنها بلد تغمره الغابات المظلمة، مشيراً إلى أنّ النصر الذي أحرزه آرمينيوس على القوات الرومانية الغازية ساهمت فيه إلى حد كبير عتمة الغابات، التي وفرت للمقاتلين التيتونيين غطاء نباتياً نصرهم على الجنود الرومان الذين اعتداوا القتال في الميادين المفتوحة.
ثقافة الحسم التي فرضتها معركة Hermannsschlacht أضحت الأسطورة الأم التي ولدت منها الشخصية الألمانية في القرن التاسع عشر، وبهذا السياق ظهر رمز“شجرة البلوط الألمانية“ الذي تحصن به النازيون مطلع القرن العشرين.
لكن وصف تاسيتوس للغابات الموحشة غير المضيافة ما برح يؤثر في تصورات غير الألمان عن الغابة كفهوم في وعي الإنسان. فالناس تخاف اللصوص المتخفين في جوف الغابة، كما أن أقاصيص الثائرين، فيلهيلم تل، وروبن هود وأشباههما ما زالت تؤرق الذاكرة الشعبية وتخيف البسطاء من أهوال الغابة المظلمة، هذا غير تصورات القرون الوسطى عن الساحرات والأشباح والشياطين والكائنات الأسطورية التي تقطن الغابات، والتي تدفع الناس إلى تجنب المرور بها. فوق ذلك، طالما اعتبر الناس أن هواء الغابات الرطب الدبق مضرٍ بصحة الانسان.
البروفسور ديتر بورشماير أستاذ الأدب الألماني المعاصر بجامعة هايدلبيرغ في كتابه المثير، وترجمة عنوانه العربية هي: „ماهي الروح الألمانية؟ أمة تبحث عن نفسها!“، يذهب إلى أنّ الغابة الألمانية كمفهوم ظهرت بإزاء مفهوم المدينة الفرنسية كتعبير عن معارضة ثقافية للتسلط الفني والادبي الفرنسي الذي اجتاح أوروبا منذ القرن التاسع عشر متجسداً في حركات فنية وأدبية وفلسفية متعاقبة.
بالنسبة للألمان، مثّلت الغابة دائماً مشهداً للشوق إلى الطبيعة الحنون الرؤم بالناس، وهي حقيقة تثير دهشة واستغراب كثير من غير الألمان. وطالما اجتاحت المدن الألمانية تظاهرات ومسيرات حاشدة تدعو لحماية الغابات، والدفاع عن „مصنع الاوكسجين الطبيعي“ فيها.
ويحلل مؤلف الكتاب، البروفسور ديتر بورشماير دور الغابات في الوعي السياسي، بل وحتى التثقيف الحزبي الذي ساد ألمانيا مطلع القرن العشرين (والمسؤول إلى حد كبير عن بلورة الفهم النازي لدور الغابة في صنع الشخصية الألمانية)، كاشفاً أنه برغم التحقير الأيديولوجي الذي نال من الغابات في عهد القيصر، وما تلاه من رد فعل شوفيني مروج لثقافة الغابات، والمسؤول عن انبثاق منظمة الغابة الألمانية Bund zur Wehr und Weihe des Waldes التي أسسها ورعاها الفيلد مارشال باول فون هندنبورغ الرئيس الثاني المنتخب لجمهورية فايمر التي اسقطها النازيون، فإنّ أحزاب الرايخشتاغ بدءاً من المسيحي الديمقراطي وصولاً إلى أحزاب أقصى اليمين قد تقدمت بطلب إلى رئيس الرايخ الأول فريدريش ايبرت عام 1924 لاقامة نصب تذكاري وطني في غابة يخلد شهداء الحرب العالمية الأولى من الجنود الألمان. وكانت الغابة المنتخبة لاستقبال النصب هي Bad Berka تجنباً لأي احتكاك سياسي يرتبط بالغابات التاريخية الأخرى (الإشارة هنا إلى الغابة السوداء في بافاريا).
الغابة في الضمير الشعبي بسبب الشعراء
أما في الأدب، فربما كان الشاعر يوزيف فون آيشندورف (1788-1857) أول من كتب شعراً يظهر الغابة كرمز ديني تسمو به الروح. ولعل من المناسب هنا ترجمة قصيدته الشعبية الشهيرة Wer hat dich, du schöner Wald, aufgebaut „من الذي أقامك أيتها الغابة الجميلة“ والتي تحولت إلى انشودة أطفال تتناقلها الأجيال في البيوت قبل المدارس، بل إنّ بعض الكنائس صارت تتيح للكورال فيها هامشاً لأداء تلك الأنشودة خلال قداسات الأحد وغيرها. تبدأ القصيدة بهذا السؤال:
Wer hat dich, du schöner Wald,
Aufgebaut so hoch da droben?
من الذي اقامك أيتها الغابة الجميلة،
هناك في الأعالي؟
سأبقى أثني على صانعك
ما دام صوتي يصدح.
وداعاً،
وداعاً أيتها الغابة الجميلة!
العالم دونك يطلق أصواتاً مسموعة،
وغزلان مستوحدة ترعى في تلافيفك.
ونحن نمضي في ثناياك وننفخ أبواقنا
فيتردد في ثناياك صدى الموسيقى آلاف المرات.
وداعاً،
وداعاً أيتها الغابة الجميلة!
الراية، ترفرف خفاقة!
تحت تنويعات خضرتكِ،
كيف ظللتِنا بحنان
يا راعية أساطير التقاة!
وداعاً،
وداعاً ايتها الغابة الجميلة!
الثناء الهادئ الذي نجنيه في الغابة
يجعلنا نحافظ على الميدان بشرف،
يبقى آباؤنا أوفياء للأبد
الراية الألمانية ما برحت ترفرف خفاقة
وداعاً،
عسى الرب يرعاك أيتها الغابة الجميلة!
أما الروائي العالمي الذي ما برح يشغل القراء ويثير تساؤلاتهم واعجابهم هرمان هسه (1877- 1962) فطالما أشاد بالغابات بنثره الممتنع غير السهل، ومما قاله بهذا السياق:
«شوق للتجوال يمزق قلبي حين أسمع حفيف الشجر في هبوب رياح المساء. ولو أنصت المرء لتلك الأصوات بهدوء لفترة طويلة، فسينجلي الشوق عن نويته، وعن معناه. لا يتعلق الأمر بالهرب من معاناة الإنسان، رغم أنه يبدو كذلك. هو الشوق إلى البيت/الوطن، الشوق لذكرى تتعلق بالأم، الشوق لمعانٍ مستعارة جديدة للحياة، وهو شوق يقود المرء إلى البيت“.
هذه المشاعر الجميلة الغامضة هي انعاكس لما قاله الشاعر يوزيف فون آيشندورف قبل نحو قرن في غير القصيدة التي مررنا بها تواً، حيث تحدث عن:
حفيف الأوراق الهامس في أعالي الشجر
حيث تحلق الطيور الصغيرة وتنأى
فيما الينابيع تترقرق مياهها في أعالي القمم الصامتة
فتقول لي أين ترقد بلادي.
بعيداً عن الأدب في خضم الحقائق!
ولو شئنا أن نفارق عالم المشاعر والانطباعات التي يعرضها الأدب والفن إلى مساحة الحقائق الملموسة، فإنّ الغابات تغطي 33 في المائة من مساحة ألمانيا حسب موقع دويتشلاند دوت دي . وهذا ما يعادل أكثر من 11,4 مليون ملعب كرة قدم، هذه الغابات تنبت فيها ما يزيد عن90 مليار شجرة. لنتخيل معاً هذا الرقم (90 مليار شجرة) ربما يفوق هذا الرقم عدد أشجار العالم العربي برمته!!
أنواع الأشجار في تلكم الغابات هي
التنوب
الصنوبر
الزان
البلوط
البتولا
وتغطي الغابات مساحة 2,6 مليون هكتار في ولاية بافاريا التي تحتل المرتبة الأولى في البلد. وعند بحيرة «تيغرن زي» يتم في الصيف تنظيم مهرجانات للغابة، بأسلوب بافاريا التقليدي مع مزيد من الجعة والمعجنات والملابس التقليدية. أما في ولايتي هيسن وراينلاند-بفالتس فتوجد مساحات أصغر من الغابات، إلا أنها تتفوق على بافاريا من حيث النسبة المئوية من مساحة الولايتين، حيث تصل هذه النسبة إلى 42 في المائة.
المتنزهات الوطنية الألمانية في زاكسن وزاكسن-أنهالت علاوة على متنزه هارتس الوطني تضم مساحات هائلة من بالغابات، وهي تشكل جزءاً من المحميات الطبيعية الأوروبية، „طبيعة 2000“. ومن الغابات الجميلة الأخرى أيضاً متنزه غابة بافاريا الوطني ومتنزه موريتس الوطني. في غابات بافاريا تعيش أصناف نادرة من الحيوانات مثل الوشق والقط البري وبعض أنواع الخفاش. ومن الأمور المميزة جداً أيضا غابات الزان الخمس القديمة، وبعضها موجود في منتزه يازموند الوطني وعند بحيرة إردرزي، وهي تعتبر منذ عام 2011 ضمن الإرث الطبيعي العالمي حيث ترقى أعمارها إلى آلاف السنين.
الغابة في القصص والأساطير
دورتشين فيلد وهي زوجة فيلهيلم غرم الشهير كتبت اقصوصة «هانزيل وغيرتيل»، في عصر عرفت الثقافة الأوروبية فيه حكايا ترك الأطفال في الغابات. ويبدو أن غابة راينهاردز فالد طالما شكلت مهداً للحكايا الأسطورية في ألمانيا الخضراء. وتغطي الغابة قلب مساحة قدرها 600 كيلومتر طالما كانت محلاً للمرايا المسحورة، والجدات الساحرات في الأساطير، والأميرات والعفاريت، وكل هذا في مناخ اسطوري يؤسس لثقافة محببة في نفوس الألمان، ولعل المرء يتساءل، لمَ لم تكون أصول الهوبتز وعوالم سيد الخواتم وأجواء ومنازل هاري بوتر كلها في الغابات الألمانية المسحورة؟ أليست تلكم هي انسب الامزجة لكائنات من نفس الهيولا؟
وقد تناقلت القصص الشعبية التيتونية أن أميراً قد أيقظ جميلة نائمة من رقاد موغل في القدم بقبلة الحب الأولى التي طبعها على شفتيها، والجميلة رابونتسه قد أرخت ظفيرتها العملاقة الالذهبية من نافذة البرج التي حبست فيها لتساعد الأمير على أنقاذها.
من هذه الغابات اللفاء التقط الاخوان غرم مناخ حكاياهم العديدة فاسسا بذلك للغابة كي تصبح مهداً مركزياً تنطلق منه قصص الاساطير الألمانية.
الأخوان غرم في الحقيقة دونا القصص التي تناقلتها الألسن على مدى أجيال في الامارات الألمانية، انها قصص دأب المغنون والحواة وفرق التمثيل ومسارح الدمى الجوالة على ترديدها، فجاء الأخوان غرام في القرن التاسع عشر ودوناها لتصبح ميراثا مكتوبا للحكايا في هذا البلد.
المغزى من القصص احتل مكان الحكمة في ثقافة الغابات، وهكذا فإنّ المغزى في أقصوصة „هانزيل وغيرتيل“هو أن الأخوين قد هجرهما والداهما في الغابة، وعليك أن تقبل كمستمع هذه الحقيقة المرعبة الوحشية، وتقبل معها تلك الساحرة المفترسة التي تعيش على لحوم الأطفال، فهذه الساحرة هي تجسيد للخطر الكامن في عتمة الغابة وظلالها الرطبة، لكنّ الطفلين في النهاية يتغلبان على كيد الساحرة ويخرجان من الغابة سالمين. إنّها نهاية سعيدة أخرى تتراكم في الذاكرة الشعبية المكتوبة هذه المرة.
شجر الزيزفون الذي اقترن بأقاصيص الأساطير والحكايا المسحورة، هو شجر كث الأوراق ذو قدرات علاجية، وكان الأكثر شيوعا في مدن القرون الوسطى. وهكذا فإن الغابة الموحشة في الثقافة الألمانية هي مملكة الغرائب الحافلة بالتحديات التي يجب قهرها. لكن ذلك برمته لا يجعل منها غابة شريرة أو رمزا لألشر والسيئات! يتعلق الأمر بكيفية مقاربة الغابة، إنّها موطن الكائنات البرية، وطلما انتاب الناس هلع مما يجري في ظلالها الموحشة.
الغابة السوداء „ Schwarzwald“ لم تدع سوداء لكثافة شجرها وقلة تسرب النور إليها كما يقول البروفسور أوفه شميدت أستاذ تاريخ الغابات في جامعة فرايبورغ كاشفاً أن العصور الوسطى ما كانت تحب الغابات „فلو تأملت لوحات العصور الوسطى، للحظتَ للتو مساحة كبيرة من العداء للغابة في كل لوحة، الغابة لا ترسم لأنّها بقعة داكنة السواد، علاوة على بدائيتها وعدائها للزائرين“. ويمضي البروفسور شميدت إلى القول إنّ المدن المعاصرة تقدس المساحات الخضراء والأشجار التي لم يكن أحد يحبذها في مدن القرون الوسطى. فمدينة فرايبورغ على سبيل المثال، لم تكن فيها أشجار، رغم أنّها في تقع في قلب الغابة السوداء، على حد وصفه.
ومع كراهيتهم للغابات فإن اهل القرون الوسطى كانوا يرون فيها مصدراً غير محدود للخشب والموارد الأخرى، ويسعون إلى استغلالها. ولم تبين آثار ذلك النهج المدمر إلا في عصر الباروك في القرنين السابع عشر والثامن عشر، فخلال هذين القرنين تنامت مساحات المدن، وازدهرت التجارة، وكبرت القصور والقلاع وباتت أكثر أبهة وفخامة. وسعى التجار والصنّاع على وجه الخصوص إلى زيادة ثرواتهم، فكانت مصادرهم لهذا الغرض غالباً من الغابة.
خلال عصر الباروك، قضي على مساحات شاسعة من الغابات، وقدر الخبراء الخشب المستخرج منها سنوياً بنحو 10 ملايين متر مكعب، استخدم لتسقيف المباني وبناء السفن وصناعة الفحم كما كشف الخبير شميدت. نتيجة كل ذلك اختفت الغابات، وعلى وجه الخصوص قرب التجمعات السكانية الكبرى والمدن الميلونية التي بدأت تظهر. وبالتوازي مع هذا فإن حضور الغابات تزايد في الخيال الألماني، وتحديداً في الثقافة والموسيقى والفن والأدب. ومع حلول القرن التاسع عشر، وازدهار الحركة الرومانسية في أوروبا، تنامي عشق الطبيعة وألهم كتاباً من بينهم الأخوان غرم لتمجيد الغابات، وإظهار الحب لسكانها الفقراء. أما رسامو المناظر الطبيعية وبينهم كاسبر دافيد فريدريش الذي احترف رسم الطبيعة والأشجار والغابات، فباتت لوحاتهم محل اقبال واعجاب الجمهور بشكل ملفت للنظر.
هذا الأثر الذي يبدو متعلقاً بالطبقة المثقفة في ألمانيا حصراً، تمدد واتخذ بعداً شعبياً فباتت وظيفة حارس الغابة حلماً نبيلاً يصبو إليه كثيرون، بل بات حلم كثير من النسوة الزواج من حارس غابة وانشاء حياتهن في بيته الحالم النائي وسط الشجر والظلال، آخذين بنظر الاعتبار أن وظيفة من هذا النوع تبقى صعبة مستعصية على النساء أنفسهن.
وبدأ الناس يترددون على الغابات بحثاً عن عالم طبيعي مثالي معزول محايد هاربين من مدن القرن الثامن عشر الصناعية الملوثة التي صار الضجيج يعمها، بل ما زال الحال هكذا حتى اليوم كما يقول مدير غابة راينهاردزفالد الدكتور إيريك آشينبارد في حديث لصفحة موقع ولاية هيسن مؤكداً „لدى سكان المدن رؤية متباينة للطبيعة تختلف تماماً عن رؤية الناس الذين يسكنون في الطبيعة (سواء كانت ريفاً أم غابات)، فهم يرون الغابة نقيضاً موضوعياً لعالمهم المتحضر المدني».
ويذهب البروفسور أوفه شميدت بعيداً في تحليله لموقع الغابة في وعي الشعب الألماني فيشير إلى أنّ نهاية الحرب العالمية الثانية باندحار النازية فكراً وتنظيماً ودولة أعاد تموضع الغابة في الوعي الألماني، فعادت لتصبح مرة أخرى ملاذاً للأستراحة، وحلت بسرعة محل المدن التي دمرها القصف، فتحت ظلال الشجر بات بوسع الناس، على الأقل لفترة قصيرة، تناسي الدمار والعنف والأحزان التي سببتها الحرب. ومن هنا أصبحت الغابة في قلب حركة أنصار البيئة والخضر في ثمانينات القرن العشرين، حيث شهد العالم الأوروبي تنامي الوعي الجماهيري بمخاطر الأمطار الحامضية على الغطاء النباتي للأرض وخاصة المساحات المغطاة بالغابات.
تلك المخاوف من مستقبل قاحل رمادي موحش ساعدت في جعل الألمان أكثر مسؤولية تجاه البيئة، وأكثر اقتصاداً في ترف الحياة المدنية المضر بالطبيعة غالباً.
تشكل الغابات الصنوبرية أكثر من نصف مساحات الغابات في ألمانيا، فيما تشغل غابات الأوراق المتساقطة مساحة 31 بالمائة من غابات البلد، فيما لا تتوفر إحصاءات عن نوع الغابات الباقية والتي تغطي مساحة 13 بالمائة من عموم الغابات. هذا التنوع يتزوع جغرافياً على الأراضي الألمانية، وهكذا تسود الغابات الصنوبرية المناطق الوسطى والشمالية الشرقية المنخفضة، فيما تسود الغابات المختلطة وذات الأوراق المتساقطة في المناطق في المناطق السفلى من أراضي وسط ألمانيا.
دون التدخل البشري، ستسود البلاد غابات الأوراق المتساقطة والغابات المختلطة باعتبارها غابات طبيعية مائة بالمئة. أما الغابات الصنوبرية حصرياً فيمكن العثور عليها بشكل طبيعي في مناطق المرتفعات الجبلية عادة، وتمثل نموذجاً طبيعياً يضمن الاستدامة للحياة الطبيعية في الغابات العذراء، ويتطلب أحياءه جهداً كبيراً لاعادة رسم المشهد الطبيعية لعموم الكوكب الأزرق.
التغير المناخي الذي يجتاح كوكبنا يحتم على الغابات التكيف مع موجات تصحر وجفاف وحرارة متكررة، وهو ما يحرم انواعاً عدة من الشجر من فرص الحياة.
للتخفيف من مخاطر الخسارة، يجري تحويل الغابات الصنوبرية الخالصة بشكل متزايد إلى غابات مختلطة، ما يعجّل في تبلور مناطق محمية طبيعية. تحويل الغابات بتكثير زراعة أنواع محددة من الشجر مثل الزان، قد ينتج عنه مزيد من الغابات المختلطة المفيدة. ويمكن اعتبار ألمانيا اليوم غابة من شجر الزان، حيث أن 26 ‌% من غابات الزان في أوروبا تقع في الأراضي الألمانية حسب موقع»ناشيونال ناتور لاندشافتن».
ما تبقى من غابات الزان الطبيعية في أوروبا ينحصر في مساحات محدودة، يتركز الجزء الأكبر منها في ألمانيا، أما في عموم أوروبا فهي تقع عادة في مناطق يصعب الوصول إليها. وتعد من وجهة نظر عالمية من الأنواع الأوروبية المعرضة للأندثار، رغم حقيقة أن شجر الزان بحد ذاته غير معرض لمثل هذا الخطر قط.
وطبقا لصحيفة نيويورك تايمز فأن الارتفاع المضطرد لدرجات الحرارة يهدد الغابات في ألمانيا، وتسببت موجة الجفاف التي اجتاحت البلد عام 2018، والصيف الساخن الذي تلاها وتكرر في عام 2019 في جعل الغابات عرضة لهجوم ملايين خنافس اللحاء التي وضعت بيوضها تحت لحاء أشجار الغابات ما تسبب في مقتل آلاف منها، وجعل من مساحات شاسعة من سفوح التلال الخضراء مساحات قاحلة بأشجار ميتة.
ويتفاقم الوضع بتقلص مساحة التنوع النباتي في أشجار الغابات (كما أسلفنا)، والأخطر من ذلك ان مساحات ضخمة من الغابات قد ازيلت قبل مئات السنين لتحل محلها غابات صنوبر سريعة النمو، اثبتت مع انتشار التغير المناخي أنّها أقل صموداً بوجه درجات الحرارة المتصاعدة. وفي هذا السياق، يسعى بعض حراس الغابات إلى إحياء الغابات القديمة التي جرى تغيير هويتها، بالسماح لأشجار من نوع طبيعي بالنمو بكميات كبيرة بما يعيد الغطاء النباتي الطبيعي إلى سالف عهده. وبهذا السياق نقلت الصحيفة عن آلان بوراس، مراقب صحة الغابات ضمن الفريق العامل في مركز أبحاث المناخ في بافاريا القول: «أغلب الغابات في ألمانيا تواجه أوضاعاً صعبة، وهي معرضة لضغوط متزايدة، وهذا ما نراه على الأرض أيضاً، إذ تواجهنا بشكل متزايد معدلات متنامية من هلاك الأشجار، وهو أمر يقرع ناقوس الخطر“.


ملهم الملائكة / فصل من كتاب «ألمانيا كما عرفتها» وهو قيد التأليف.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية