جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


رسائل فنسنت فان خوخ


ترجمة: ستار كاووش
رسائل فنسنت فان خوخ
الرسالة السابعة الثلاثون، سان ريمي، ١٨ حزيران ١٨٨٩
تَيّو العزيز
شكراً لرسالك التي وصلتني البارحة. أنا مثلك أيضاً لا يمكنني أبداً الكتابة والتعبير عن كل ما يجول بخاطري، لكن هذا هو الحال، لأننا نعيش في عالم غريب وزمن قلق ومضطرب،
لا يسمح لنا بالتعبير عن آراء نهائية أو إتخاذ قرارات جازمة. بعيداً عن هذا الموضوع، أردتُ أن أسألك إن كنتما ما تزالان تتناولان طعامكما في المطاعم، أم تقضيان كل الوقت في البيت، أتمنى أن ترتبا كل شيء في البيت معاً، فهذا أفضل من كل الجوانب. من ناحيتي، أشعر بتحسن، وبإمكانك طبعاً أن تتصور إن الإعتدال بالطعام والشراب والتدخين، يدفع المرء نحو التحسن، خاصة إذا أُضيفَ الى ذلك -كما حدثَ مؤخراً_ حمامين في الأسبوع بمدة ساعتين لكل مرة، وهذا يساعد بالتأكيد في تهدئة نفسي وجعل الأمور تسير على ما يرام. أما الرسم فهو ما يبقيني على قيد الحياة، فإضافة للمتعة الشديدة التي يمنحني إياها، فهو يشغلني عن كل شيء آخر، وكلما إزداد جهدي وحتى متاعبي في الرسم، كلما أحسستُ بالراحة أكثر. رائع إن أريكسون قد وجد أعمالاً جيدة بينَ ما أرسلته لك من لوحات، فهو مع دي هان، من أكثر الأشخاص الذين أثق بهم، وهما يستحقان كل التقدير لأنهما عملة نادرة هذه الأيام. سعيدٌ بأنكَ أخبرتني عن الشخص الآخر الذي أعجبته لوحة المرأة بالأصفر والأسود، لكني أظن إنه قد أُعجبَ بها بسبب جمال الموديل وليس بسبب الطريقة التي أرسم بها. وبهذه المناسبة، لقد فقدتُ الأمل بالحصول على موديل جميل ومناسب. أتمنى حقاً أن أحصل على موديل كهذه المرأة مرة أخرى، أو واحدة مشابهة لتلك الموجودة في لوحة التهويدة*. مع موديلات من هذا النوع تكون النتائج دائماً مذهلة.
أعتقد بأنك محق بعدم عرض لوحاتي ضمن معرض غوغان وبرنار والآخرين، فأنا أشعر فعلاً بأني لم أشفى بعد، وعدم عرض لوحاتي ليس له علاقة بقيمة لوحاتي أو لوحاتهم، وليس هناك نية للتقليل من شأنهم. وبالنسبة لي لدي إيمان عميق بقيمة وجمال ما يرسمه غوغان وبرنار، فلا مجال للتردد في ذلك وهما يستحقان التواجد في أي معرض جيد. وبالنسبة لفنانَين مثلهما يتمتعان بهذا الطموح والاندفاع والموهبة، عليهما حقاً أن يركلا أحجار الطريق ويشقا طريقهما. لا ينبغي أن تظل لوحاتهما قابعة في الزوايا المظلمة، بل أن تأخذ مكانها في عروض رسمية تليق بها. لكن مع الأسف، فالعرض في المقاهي، فكرة تدل على ذوق سيء حقاً. أعرف بأني فعلتها مرتين وعرضت في مقهى تامبورين وكليشيه، وكان الأمر أشبه بالجريمة التي إرتكبتها بحق نفسي، والأدهى من ذلك هو إن لوحاتي التي عرضتها هناك، قد تسببت بتدمير أذواق واحداً وثمانين من آكلي لحوم البشر* الذين يعيشون في مدينة آرل (الطيبة) وعمدتها (المهذب). وبكل الأحوال أنا مُلام أكثر من غوغان وبرنار، لأني عرضتُ لوحاتي في مثل هذه الأماكن. كانت محاولة لتقريب اللوحات من الناس، لكن دون جدوى. برنار اليافع، أعتقد بأنه قد أنجز لوحات مذهلة، تحمل الكثير من الرقة، وفيها روحية فرنسية، يا لهذا الشاب من رسام يملك الكثير من السحر والعذوبة والصدق في أعماله. وبكل الأحوال أنا متأكد بأنه وغوغان ليسا من نوعية الرسامين الذين يكتفون بأدواراً ثانوية، أو يوافقون على دخول لوحاتهم الى المعارض من الأبواب الخلفية. ثق بهذه الكلمات جيداً، هذان الصديقان لا يبغيان سوى المقدمة. وبما أن الإنطباعية لم تعد جادتها واحدة، لذا سيمضي غوغان وبرنار في منعطف جديد، وهما يعرفان وقت التغيير مثلما عرف ذلك ديلاكروا وكوربيه حين إنعطفا بالفن في طريق مختلف.
أخيراً، رسمت لوحة لأشجار الزيتون، كذلك هيأت دراسة للوحة عنوانها (ليلة مليئة بالنجوم). ورغم أني لم أرَ أعمال غوغان وبرنار الأخيرة، لكني متأكد من إن اللوحتين اللتين حدثتك عنهما يمكن مقارنتها من حيث التأثير والعاطفة بأعمالهما. حين تتأمل قليلاً هاتين اللوحتين، كذلك لوحة اللبلاب، ربما ستكون لديك فكرة أكثر مما توصله كلماتي، نعم فكرة عن التفاصيل التي تحدثنا عنها وشغلتنا أنا وغوغان وبرنار، وهي بكل الأحوال ليست عودة الى الرومانسية ولا للأفكار الدينية، بل هي إتباع الطريق الذي فتحه ديلاكروا، طريق اللون، المَبني بطريقة تفوق الواقع. فيمكن للرسام أن ينحني لجمال طبيعة ريفية بسيطة أكثر مما يفعله لواحدة من حانات باريس البهيجة. وبإمكاننا كرسامين رؤية أشخاصاً غير الذين رسمهم دومييه، حتى لو مضينا على ذات الدرب الذي سار عليه قبلنا، وبكل الأحوال أشعر إن الطبيعة هي مصدر الإلهام، وأرى إنها تمتد الى مناطق أبعد مما تراه العين في سان أوين. هكذا علينا المضي مع لوحاتنا، والأمر يشبه إحساسنا ونحن نقرأ أميل زولا، وكيفَ نتخيل على سبيل المثال، حديث رينان بفرنسيته العذبة والصافية، لكن كل واحد مِنّا يتخيله بطريقته الخاصة. أو ما نشعر به مع زولا أيضاً حين يكتب لنا عن النساء في كابيريه القط الأسود. فوراين يكتب أيضاً بذات الطريقة المذهلة. نحن نحب باريس أيضاً، بكل ما تحمله من جمال وأناقة، لكننا نريد أن نضع أيدينا على شيء مختلف وفي مكان آخر، لكنه يحمل ذات الجاذبية والجمال. سنظل نحن الثلاثة غوغان وبرنار وأنا نبحث عن ما نريده. ربما لن نقدر على كسر التقاليد والظروف، لكننا بلا شك سوف لن ندعها تكسرنا. ربما يتعلق الأمر كله بنوع من التعزية للجمال الذي نريده، وما يزيد الأمر صعوبة إن هذا الجمال لا يعرفه أحد. دي هان وإيزاكسون شعرا بالشيء ذاته. ربما لا ينجحان في مسعاهما، لكنها على الأقل يفهمان لماذا وكيف صنع ريمبرانت في هولندا فناً عظيماً ومختلفاً. إن كنت تنوي ترميم وصيانة لوحة (غرفة النوم) فأرجو أن تتعجل بهذا وتلصق عليها من الخلف كانفاس جديد قبل أن ترسلها لي لأن كانفاس هذه اللوحة متضرر وستسوء حالة اللوحة أكثر إن أرسلتها وهي على هذا الحال. بالمناسبة ليس لديَّ الآن لون أبيض نهائياً.
سأنتظر بشوق كتابتك لي يا أخي، مثلما أنتظر أن يمنحكَ الزواج طاقة وحيوية، وتتحسن صحتك أكثر هذه السنة.
أشعر بحاجة كبيرة لقراءة شكسبير، توجد هنا نسخ ثمن الواحدة شلن فقط، ومتوفرة منها المجموعة الكاملة، لكن هذه الكتب الرخيصة فيها الكثير من الإختصار والتغيير، عموماً الطبعات التي أحتاجها تكلف ثلاثة فرنكات تقريباً. إستَبعِدَ أية لوحة غير جيدة من الشحنة التي سترسلها، فليس ثمة فائدة من بعض الأعمال، وربما سأرجع إليها في المستقبل، كإستعادة لهذه الفترة. فلوحات قليلة وجيدة هو ما يكون له تأثير وقيمة، أما غير الجيدة فأرجو أن ترزمها كقطع كانفاس فوق بعضها، وتضعها بين قطعتي كارتون سميك، وتغطيها بصحف قديمة، صحبة الدراسات الأخرى، فقيمتها الآن لا تتعدى هذا. من ناحيتي سأرسل لك لفافة لمجموعة تخطيطات، من ضمنها، المسشتفى في آرل، الشجرة المنتحبة وسط العشب، حقول أشجار الزيتون، وهي تكملة لفترة مونماجور، والبقية دراسات سريعة رسمتها في الحديقة.
بالنسبة لكتب شكسبير، لا داعي للعجلة، وحتى لو لم تكن هذه الطبعات متوفرة الآن، فستتوفر بوقت آخر بالتأكيد.
لا تقلق بشأن أوضاعي القادمة، فسأحاول أن لا أترك الأمور تذهب الى مديات بعيدة وسيئة، رغم إننا شئنا أم أبينا ننقاد لأمراض عصرنا. مع ذلك سأهتم بنفسي أكثر، كي لا تتدهور حالتي ولا تنتابني النوبات مجدداً.
أشد على يديك، ولا تنسى محبتي الى العزيزة جو وسلامي للأصدقاء.
أخوك المخلص
فنسنت

إضافات المترجم:
*التهويدة: لوحة فنسنت فان خوخ، رسمها سنة ١٨٨٩ لمدام أوغسطين رولين (زوجة ساعي البريد الذي رسمه في لوحة أخرى)، وقد رسمها وكإن أمامها مهد، رغم ان المهد خارج اللوحة، لكن يظهر في يدها الخيط المربوط بمهد الأطفال. وقد ملأ خلفية اللوحة بالزهور التي بدت مثل هالة تحيط بالمرأة، كما فعلَ في لوحته لزوجها ساعي البريد رولين، كذلك في بورتريت الدكتور راي. وقد فكر فنسنت ان يرسم هذه اللوحة على شكل ثلاثية، على أن تحيطها في اللوحة الوسطى زهور عباد الشمس.
* آكلي لحوم البشر: وهو تعبير مجازي، قصدَ به فنسنت أهالي مدينة آرل الذين وقع واحد وثمانين شخصاً منهم على عريضة وقدموها للشرطة لأجل طرده من بيته، وهذا ما حصل فعلاً بموافقة العمدة ومدير الشرطة. وأدى ذلك الى إنتقاله لقرية سانت ريمي التي كتبَ منها هذه الرسالة.
* القط الأسود: واحد من أشهر مقاهي وكابيريهات باريس في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وكانت تقام فيه فعاليات ثقافية وتُعرض فيه المعارض، ويرتاده عادة المثقفون والفنانون والشعراء، وكان نقطة ثقافية مهمة في تلك الأيام الباريسية.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية