جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » نصوص


قوبادي جليزاده..خمس قصائد


ترجمها عن الكردية: ماجد الحيدر
الجنّ
لم أركب طائرةً يوماً
لكنني لو فعلت
لحملتُ معي سلّةً
لأملأها حينَ أطيرُ
بالنجومِ الصغيرة.
غير أن الطيار
سينتزعها مني ويرميها نحو الأرض.
لم أركب القطار يوماً
لكنني إن فعلت
سأقول للمرأة الإيطالية بجانبي:
(صباح الخير سيدتي)
فتهيجُ وتصفعني
وتصفِّدني الشرطة
ظنّا بأنني أطلب أن أضاجعها!!
لم أركب باخرةً يوماً
لكنني لو فعلت
لأخرجت يدي من النافذة
ولوّحتُ بالسلام على الأمواج البيضاء
وقلت لها: أنا كوردي.
وحين تسألني من الكورد
سأجيبها:
الكورد نوعٌ من الجنّ!
ماريا
مبللةً من رأسها لأقدامها،
جاءت الى الشرفة
وحطّت على حبل الغسيل.
لا ليست حمامة، إنها عصفورة أمّ.
في خاطري حفنة من أسئلةٍ
أشتاق أن ألقيها عليها،
إذ وحدها العصافير
تفهم لغة الشعراء.
أسألُها:
أتعرفين اسم الذي يسقط من السماء
قطرة قطرة
ويبلل ريشك وجناحيك؟
أجابت: إنه المطر.
وذاك الذي يهطل ندفة ندفة
ويغمر عشك بالبياض؟
قالت: هو الثلج.
مَن يشغل فكرك كثيرا:
آباؤك أم فراخك في العش؟
لكن من قال إنها متزوجة!
هل تتزوجن عن حبٍّ
أم يزوّجوكنّ صغيراتٍ مرغمات؟
أسألها: كم يبعد عشّك عن بيتنا؟
أتحبين كِسر الخبز أم قبضة من القمح؟
وأيهما يُبهجك: أن تحطّي على غصن
أم على شبّاك غرفة امرأة؟
قالت: على شباك امرأة
تتعرى قدّام مرآتها،
تعدّ شامات جسمها
وتداعب بسبّابتها حلمتيها
وتستدير، تتأمل ارتفاع ردفيها.
أيهما أجمل صوتاً لديك: اليمام أم الحمام؟
أجابت: إنه القبَج.
هل فيكم شعراء، روائيون، رسامون ونحاتون؟
هل مثلنا لم يستلم متقاعدوكم
رواتبهم الى الآن؟
قالت: لا. في رأس كل شهر
تصل رواتبهم لبيوتهم؛ كيساً من القمح!
ألديكم متسولون على الأرصفة
يبسطون أكفّهم للعابرين؟
هل ارتفعت لديكم
أسعار الزيت والخبز والكهرباء والأدوية؟
قالت: لا
فليس بيننا تجار حروب.
ألديكم زعماء لصوص وقطّاع طريق؟
قالت: لا أعرف معنى لصوص وقطاع طريق
لكننا جميعا نرتدي نفس الثياب،
أعشاشنا كلها مفروشة بالقش،
سويّة تحلّق أجنحتنا
ونغني بمنقار واحد
هل لديكم مثلنا أحزاب: علمانية، إسلامية، لا دينية وكارتونية؟
هل تضطر، لبطالتها، الى حمل السلاح؟
هل ترغمون صغيراتكم على الحجاب؟
هل يقتل أخوتكم بعضهم البعض؟
وفي المظاهرات والاعتصامات، هل لديكم روبوتات بشرية
تجرجر الجامعيات من شعورهن
وتنهال بالركلات على المعلمين؟!
متخمون نحن بباعة الأوطان
فهل عندكم عصافير تبيع أعشاشها؟
هل تفكرون بصنع الأسلحة الذرية، وبالحرب العالمية الثالثة؟
قبل يومين
قتلوا عندنا امرأة
كان اسمها ماريا.
فهل يقتل الآباء عندكم النساء؟
فاته
في قريتنا كانت امرأةٌ اسمها فاته *
حيثما مضت
يَقطُرُ منها العسلُ .
فتوقفتِ القريةُ عن تربيةِ النحلِ.
كان اسمها فاته
كلما مخَضَتْ قِربتَها احمرَّ خدُّها
وغدا كرغيفٍ مدهونٍ
فما عادتِ القريةُ في حاجةٍ للتنانير.
كان اسمها فاته.
قامتها من الطولِ حتى تظنُّها
شجرةَ حَوَرٍ تمشي على قدمينِ
فلم يعد أهلُ قريتنا
يغرسونَ الحورَ عندَ النبعِ.
كان اسمها فاطمة
صوتها أعذبُ من خريرِ النهرِ
وهسيسِ أوراق الشجر.
حتى غدتِ الحمائمُ
تستحي من الهديل!
ربيعاً، حين تجتاز حقل القمح
في ثيابها الزاهيةِ
ما كانوا يعرفونَ إنْ كانت
فاتةُ أمْ قوسُ قزح.
ليلاً
حين ترتقي الدرج الخشبي
لتنامَ على السطحِ،
كان مُلاّ القريةِ يرتقي تلّةً عالية
ويقول للقمرِ الفضيِّ:
توارَ أرجوكَ
لم نعُد في حاجتِك!
فاته تزوجتْ
فتىً من قريةٍ أخرى
من يومها لم تعُدْ تلكم القريةُ
تحتاجُ النحلَ
ولا التنانيرَ
ولا الحَورَ
ولا العصافيرَ
ولا قوسَ قزحٍ
ولا القمر!
تصغير اسم فاطمة.
توزيع
حين قسّم الأرض
لم يخصّنا بِرُقعةٍ
ولهذا.. غدَونا دون وطن.
يوم وزّعَ الخِرَقَ الملوَّنة
لم يلتفت الينا
ولهذا.. ظللنا دون رايةٍ
حينَ قسم الحريات..
لم نكن حاضرين،
ولهذا.. بقينا عبيدا .
حين وزع سنابل القمح،
كنا في سوح الحروب
نلملم جثث أحبابنا،
ولهذا.. لم ننل كسرة خبز.
لكنه حين وزع السجون،
خصّنا بحصة الأسد.
وحين وزع السياط،
خص كل ظهر منا بسوط.
وجعل المشانق، في عدد رقابنا
وأوصد نوافذنا ،ثم نشر الضياء على المعمورة.
وكان الله يومها كريما معنا،
نثر علينا في سخاء:
الجراحَ
والدموعَ
والترمّل.
دائما
لا دائما، لكن بين حينٍ وحين، أتذكرك.
حين اندلعت الحرب في أوكرانيا، تذكرتك.
ورأيتك امرأةً من كييف،
تحضنين صغارك في نفق المترو،
في قلقٍ، تسفحين دموع الخوف.
أتذكرك بين الحين والحين..
حين تلقيتُ لقاح الكورونا
كان قلبي معك،
عرفت أنك أصبت بالمرض
وأن حمامتَي صدرك البيضاوان
لن تغفوا لثانيةِ
من أثر السعال.
لا دائما، بل بين حينٍ وحين، أتذكرك.
لكن، حين يعلو الطوفان
يظل قلبي معك ومع صغارك
أخاف أن يخطف السيل الغاضب طفلا لك
ولا يعيده إليك.
لا دائما، لكن بين حينٍ وحين، أتذكرك.
حين توشك سيارتي على الانقلاب
فأفكر بموتي
وأفكر بأنني سأتركك
وكيف سترغمين على البكاء سرّا
كأنني ذنبٌ عظيم.
حين تطفئين الضوء، أفكر بك
أعرف كم تخافين الظلام،
أود لو قصصتُ أصابعي
وأرسلتها إليك
لتوقديها شموعاً في غرفتك.
أتذكرك من حينٍ لحين،
لا سيما في تلكم الساعات
حين أشرب لوحدي، ومقبلاتي
صحن من أسىً مفروم
ونهرٌ من وجعٍ جارف.
في تلكم الساعات
يمتلئُ قلبي بالمسامير
وعينيّ بالملح.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية