جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


كتاب الهروب


عبد الخالق كيطان
بيتزا هانسن
تركت العمل في التاكسي لسبب خارج إرادتي، وإن كنت قد مللت كثيراً منها، وبدأت أفتّش عن عمل آخر، ووجدت ضالتي هذه المرة في مطعم للبيتزا، وكان عملي هنا هو سائق سيارة التوصيل.. بدا العمل سهلاً، خاصة وإن مالك المطعم، واسمه ميلاد،
كان لبنانياً تقاسم وأخوه الأكبر، غابرييل، إدارة المطعم الذي يعتمد بالدرجة الأساس على خدمة التوصيل. فالمطعم يمتلك في الليلة الواحدة من 3 إلى 8 سيارات توصيل، وكان يضجّ بحركة العمال من صناع البيتزا، إلى المطبخ  فالخدمة... وثق بي غابرييل وميلاد، فصارا يعدّاني أخاهم الثالث، وشيئاً فشيئاً صرت معتمداً عليه في الكثير من أمور الإدارة، بالإضافة إلى خروجي بعض الأحيان لتوصيل طلبات الطعام. ربما كانت اللغة العربية والعادات والتقاليد المشتركة بيننا سببا في تقاربنا..
يقع مطعم (بيتزا هانسن) في شارع (هانسن)(1)
شرق المدينة، والحيّ الذي يقع فيه المطعم ليس من الأحياء الراقية. غالبية سكانه تتحدر من جنسيات مختلفة من الطبقة الفقيرة، كما يسكن هنا بعض السكان الأصليين (الأبوريجنيز) بأشكالهم المميزة والسكر والمخدرات التي يغرقون فيها على الدوام...
كنت أحصل من عملي، الذي كان يبدأ من الرابعة عصراً ولغاية الواحدة أو الثانية بعد منتصف الليل، على مبلغ معقول، استطعت من خلاله أن أسدد ديناً كبيراً تورطت به قبل هذا التاريخ بسنتين، كما استطعت أن أجمع مبلغ تذكرة السفر إلى العراق، وهي تذكرة مرتفعة السعر بسبب بعد المسافة بين أستراليا والشرق الأوسط..
لقد عشت بين ميلاد وغابرييل أكثر من سنتين لم أنقطع فيهما عن العمل أبداً، وكانا على الدوام يشركانني بأحاديثهما الخاصّة والعامّة، كما أنهما فتحا بيتيهما لي وكنت في كثير من الأحيان شريكهما في سهرات صاخبة نقيمها بين الحين والحين... ومن خلال (بيتزا هانسن) تعرّفت على الكثير من الوجوه الأسترالية، خاصة أديل، الثلاثينية التي كانت تعشق النساء، فنراها بين فترة وأخرى وقد اصطادت فتاة جديدة، لم تكن أيّ عاملة تباشر العمل معنا إلا وأديل لها بالمرصاد! حتى الجميلة دانييلا، التي خططت لاصطيادها، سبقتني أديل لها وأسكنتها معها في شقتها عدة شهور قبل أن تتعرف على شخص آخر فانتقلت للعيش معه وتركت أديل والمطعم على حد سواء. لقد أخذتني أديل أكثر من مرّة إلى نوادي المثليين في أديلايد، حيث ترى النساء تقبل النساء والرجال يرقصون مع الرجال... هل تتصوّر حالتي حينها؟
تعود خبرتي إلى موضوع المثليين هذا في أستراليا إلى أيام عملي سائقاً لسيارة الأجرة، فكثيراً ما كنت أقلّ بعضا منهم في السيارة، يجلسون على الأعم في المقعد الخلفي فأنتبه من خلال المرآة الوسطية إلى أن المرأتين اللتين تجلسان خلفي تتبادلان القبل، وربما أبعد من ذلك! كما دعاني أكثر من رجل إلى شرب فنجان قهوة في منزله أو شقته طمعاً بالحصول على لذة لا يمنحها له سوى الرجال!
ولما تعرّفت إلى أديل، التي عشت معها شهوراً طويلة، أدخلتني إلى هذا العالم مرة أخرى، وخاصة عالم النساء السحاقيات، فمن خلالها تعرّفت إلى عدد منهن. لقد كانت أديل تحبني بطريقة خاصة جداً.. عرفت ذلك عندما سهرت في شقتها ذات يوم... هي التي دعتني إلى شقتها، وكانت تعيش بمفردها أنذاك.. شربنا القليل من البيرة وكنا نجلس جوار بعضنا على قنفة صغيرة... بعد فترة مددت فمي إلى فمها وأدخلت لساني فيه، لم تمانع، قبّلنا بعضنا لبرهة، ولكني شعرت بها تنسحب فجأة، انسحبت بدوري لأتبين الأمر... وجدتها شبه دامعة و محمرّة من الخجل... ما الأمر أديل؟ قالت بوضوح وهدوء أنها آسفة، لن تستطيع المضي معي أبعد من ذلك، قالت أنها تحبني بصدق ولكنها لن تفعلها معي...
لماذا؟
قالت بوضوح أنها لا تحب معاشرة الرجال، بل أنها في هذه اللحظة بالذات مرتبطة بامرأة أخرى، وهي تشعر بأنها قد خانتها عندما قبلتني! لم أغضب، فأنا في أستراليا، وقلت لها لا بأس.. جلسنا بعض الوقت ثم خرجت أجرجر أذيال الخيبة...
بعد هذا اللقاء بفترة دعتني من جديد إلى شقتها، وكنت أعرف أنها تركت عشيقتها للتو، كانت أديل قد اشترت القليل من المارجوانا، وطلبت منّي أن ندخّن سوية بعد انتهاء عملنا في المطعم. كنت قد جربت المارجوانا في سيدني رفقة بعض الأصدقاء، وهذه المرة ستكون الأولى التي أجربها مع امرأة.. وصلنا الشقة، وفتحت لي علبة بيرة باردة، وقمت أنا بلفّ السيجارة التي تبادلنا أنفاسها سوية... كركرنا طويلاً في ساعة أو ساعتين ثم استأذنت بالانصراف، لم تمانع، فخرجت إلى بيتي. ولما قابلتها في اليوم التالي شكرتني كثيراً لأني لم أمدّ يدي إليها بالرغم من حالة النشوة التي عشناها... قالت أن غيرك كان سيستغلّ الفرصة، ولهذا فأنا أكره الرجال الذين لا يفكرون بغير إدخال قضبانهم المنتصبة في أي شيء!
ومن خلال أديل  ومعها، سهرت كثيراً بين النساء السحاقيات فكنت أتابع حركاتهن وإيماءاتهن. لم تكن أولئك النسوة شريرات قطّ، كما أن الرجال بينهن، وكنت أنا وميلاد غالبا، سوى أصدقاء من الممكن أن يطّلعوا على بعض خصوصياتهن الجنسية...
لقد ظلت أديل حريصة على السؤال الدائم عنّي حتى وأنا أعيش بعيداً عن القارة الخلابة، فلقد كتبت لي الكثير من رسائل الموبايل لتطمئن عليّ عندما كنت في زيارتي للعراق، ومن يقرأ تلك الرسائل يظنها عاشقة متيمة ولكن الحقيقة هي أننا لم نكن سوى صديقين.2
وبالرغم من أن جميع من كان يعمل في المطعم يعلم أن أديل كانت سحاقية إلا أنهم كانوا يظنّون بأن بيني وبينها شيء ما... بعد سنوات طويلة، في أواخر العام 2014 عدت من جديد إلى أديلايد. أخبرني ميلاد أن أديل تركت العمل منذ سنوات. لقد كثرت مشاكلها، على الأرجح أن ثمة مشكلة نفسية تعاني منها. لم أستطع اللقاء بها. إذ أنني سرعان ما عدت إلى سيدني، فلقد بدت أديلايد لي مدينة قفر.

وغير أديل تعرفت في (بيتزا هانسن) على لبنانيين كثر، وعاملين من الهند والكويت والصين وسوريا.. كان المطعم خلطة عجيبة من المرح والمتعة والعمل الشاق في بعض الأحيان، ولم يكن يخلو طبعاً من بعض المشاكل والقيل والقال!
في واحدة من المرات خاض بعض العاملين الهنود، وهم من ديانات مختلفة، سجالاً عن الإسلام والمسيحية والهندوسية، بقيت أراقب الحوار، فيما بدا عامل صيني غير آبه بما يدور من حوله. كان علينا أن نقشّر كيسين كبيرين من البصل ونحن نتسلّى بالحديث، استدرت فجأة إلى العامل الصيني وسألته عن رأيه بالحوار، فقال بسرعة:
أيّ حوار؟
الذي يجري بين الأصدقاء الهنود حول الدين.
لا أفهم فيه.
كيف لا تفهم؟ بأي دين تدين أنت؟
أنا بلا دين.
كيف؟ بلا دين؟
نعم، بلا دين.
ماذا عن عائلتك؟ أجدادك؟
كلهم بلا دين. نحن لا نعرف ما هو الدين، خلقنا هكذا، بلا دين.
كان هذا الأمر غريباً بالنسبة لي، وموضوعاً لتأملات مضافة. أن يخلق الفرد بلا دين، فهو متحرّر من ثقل التاريخ الديني العائلي والمجتمعي على حدّ سواء. كيف ستكون نظرة مثل هذا المواطن لأشياء كثيرة علّمنا إياها الدين مثل الجنس، الخمر، القتل، الثواب، العقاب، الجنة، النار، الصلوات... الخ.



1  نصاً بعنوان: عاهرات هانسن:
أرى في شارع هانسن بعض عاهرات كسيرات
مشهد يتكرر في الأماسي الدافئة
لا أحمر الشفاه الرخيص
ولا الملابس الخليعة
عاهرات هانسن اللواتي يدمنّ الكحول والحشيشة
لا يصطدن في ايامهن التعيسة تلك غير سائقي الشاحنات
وبضعة سكارى وافدين
وفي أحسن الصدف
ينتقلن بسيارات حديثة إلى معتقلات مكافحة الدعارة غير المرخّصة

كتبت تقول في واحدة من تلك الرسائل:

When ya coming over. I cant wait to c u. Im gonna jump on u and give u a big hug x love ya.



المشاركة السابقة