جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


تدفق الأساطير في شرايين العراق


عبد السلام صبحي طه
«فلتكن تلك المياه نقية، ولتكن نظيفة وساطعة بالضوء»
في ضوء التحديات الجدية التي تواجه العراق من طرف أمنه المائي، جراء مثالب دول الجوار، المتشاطئة معه او الرافدة لنهريه، لابد لنا من وقفة للتعريف بجوهر تأسيس العراق ككيان حضاري، والذي ارتبط تاريخيا بالانهار وكان اسمه دلاليًا مرتبط بها، فاسمه الأشهر هو بلاد الرافدين او (بلاد النهرين، وربما هو الاصح اسمًا ومعنى)،
وكان اسْم جنوبه قديمًا باللغة السومرية «گي إين گي» ويعني «أرض(بلاد)+(عين او سيد)+القصب (الأهوار)”، و بالآرامية ورد الاسم “بيث نهرين” ليعبر عن بعض من جغرافيته شمالًا، فـ”ميسوبوتاميا” باليونانية (ويعني ما بين النهرين)، ثم العراق، الذي عُرف في كتب الرحالة العرب بـ”أرض السواد” لمنظر خضرته الداكنة للقادم من الصحراء، كناية عن خصوبة أرضه التي حمل لها شرياناها الخالدان دجلة والفرات، طمى الخصوبة السوداء وأجنّة الخير الخضراء، فكانت لهما منزلة خاصة في الفكر العراقي القديم.
يرد في  قصة الخليقة البابلية “حينما في العُلى” (وترقى تدوينًا إلى الألف الثاني ق.م)، أن أصل الخلق الكوني هو الماء البدئي، بنوعيه العذب (المذكر واسمه باللغة الأكدية “ابسو”) والمالح (المؤنث واسمه باللغة أكدية  “تيامت” ومنه كلمة تيم اي بحر)، تتواتر الأحداث في القصة حتى ينتصر الإله مردوخ على تيامت ويشطر جسدها الى نصفين، يصنع منهما الأرض والسماء (وذيلها المنثور في السماء هومجرة درب التبانة)، ثم يقتلع عينيها ويغرزهما في جبال طوروس ليتدفق منهما  نهري دجلة والفرات، يرد اسم دجلة بالسومرية “إدجنا” وبالأكدية “إيدجلات” ويعني المندفع الجارف، أما الفرات فمن الصيغة السومرية القديمة “بورانن” وبالأكدية “بوراتم” ويعني الرافد.
بيت التطهير في أريدو
يرد في قائمة الملوك السومريين (ترقى إلى عصر إيسن- لارسا نحو 1850 ق.م)، أن الملوكية عندما هبطت من السماء لأول مرة، فإن ذلك حدث في أريدو، وبحسب الأسطورة فهي إحدى المدن الخمسة الأولى التي بنيت قبل الطوفان (يؤرخ أقدم ذكر له إلى نحو 2900 ق.م). ويبدو أنها إحدى أقدم مواقع استقرار البشر في المنطقة، والتي أظهرت الكشوفات والتنقيبات الحقلية أنها ترقى إلى نحو 5400 سنة ق م، وكانت حينها بالقرب من الخليج العربي حيث مصب الفرات. وبسبب تجمع الطمى والترسبات على امتداد شاطئ الخليج عبر آلاف السنين ابتعدت بقايا أريدوعن الخليج.
كان كل شيء غمرًا وماء ولم تكن هناك أرض، وفجأة أنحسر الماء وبرزت تلة، هذه التلة اسمها “نون كي”، وعرفت بأريدو، أي المكان المقدس القصّي أو بيت الغربة، وكُرستْ مقـرًّا لإله  الماء والحكمة “إنكي” باللغة السومرية، وهو “إيا” باللغة الأكدية، وربما يمكن الاجتهاد بالقول ان قراءته بالعربية (حيا)، لارتباطه بالخصب ونماء الحياة بمختلف مظاهرها، و مقره “بيت الأبزو” حيث جسد والده (الماء العذب).

كان الناس يقصدون أريدو للاستشفاء من أنحاء العراق القديم، لطهر مائها (اسطوريًا)، وكانت أيًضا مركزًا للرقى والتعاويذ، فيفد اليها المرضى لغرض العلاج والتعمد بالماء المقدس.
ترتيلة للإله إنكي

مياهٌ نقيةٌ، مياهٌ مشرقةٌ،
مياه نهري دجلة والفرات،
سبع مرات، سبع مرات،
أحدهم قد رُشّ بالماء، أحدهم قد تطَهَّر، أحدهم قد تنقّى.
يا مردوخ، عسى أن تكون كلمة الحياة مواتية!
يا مردوخ، عسى أن تكون أوامرك ملائمة!
وراءك مصدر مياه إنكي، رب أريدو. عسى أن يكون ما وراءك مناسباً!
الى جانبك، يا مردوخ، مياه البحر، البحار الواسعة،
ولكن عليك أن تتطهّر بالمياه النقية لدجلة والفرات،
التي تأتي من مصادرها في جبل حصار،
تتطهّر بمياه الفرات، المياه المقدسة من الفرات،
وبفضل المياه المقدسة قام مردوخ بتطهير الرجل المريض،
إنها المياه المقدّسة، المياه الساطعة، المياه النقية من نهر الفرات.
بالماء الذي جلبه إنكي من الجبل العظيم،
المياه التي أنزلها أنكي نقية من الجبل الى الفرات،
المياه التي نَزلتْ في آبزو(مياه العمق)، لغرض التطهير،
إنها نُتاجْ أريدو، التعويذة والسحر الذي قام به.
إنكي، ملك المياه العميقة النقية،
لامس جسد الرجل، إبن إلهه،
وقام بتنظيفه وتنقيته وتطهيره
بمياه التطهير، المياه المقدسة، المياه النقية، المياه المشرقة،
لمرتين في اليوم، سبع مرات قد رَشَّ جسده.
نونا، الإبن البكر لأريدو،
بالمياه المقدسة، مياه الفرات،
المياه التي إنكي، الماعز البري، أعدّها بإخلاص،
التي طهّرها فم إنكي المقدس،
أولاد مياه العمق (آبزو)، سبعتهم، رُشّوا بالماء.
يحيلنا هذا النص إلى التقاليد العراقية المحلية والتي ربما لا تزال تمارس الى يومنا هذا، ومنها المتعلقة بقدرة الماء على أعادة المسافر سالمًا، برش الماء على ظله أو عتبة داره، أوالتطهير بالماء «التعلية»، من ما دنس بالأشياء من النجاسة والعرف المحلي هو تكرار الغسل لأربعين مرة، (من الجدير بالذكر أن الرقم 40 بالأصل هو رقم الإله إنكي/إيا، حيث مٌنحت الآلهة الرئيسة في العراق القديم على ارقام ذات دلالات خاصة بها)، ومنها أيضًا فكرة الوضوء بالماء النقي قبيل المباشرة بأي طقس ديني (التعميد مثالًا). 
تعزى لمياه الأعماق (الجوفية) القدرة السحرية على الشفاء، فالبئر يرد ذكره في الكثير من الأساطير القديمة والمرويات التي نهلت منها وحتى يومنا هذا، عن كونه مسكن الكائنات الخرافية من سعالى وجان(هاروتات وماروتات المنسوبان الى بابل في الاساطير مثالًا)، وهذا ربما مرتبط  بالأصل بفكرة أن أتباع الإله إنكي (إله المياه العميقة والحكمة والفنون والسحر) وعددهم سبعة، يسكنون في مملكة الأعماق تحت الأرض (الآبزو باللغة السومرية / الأبسو باللغة الأكدية)، ولهم عدة ألقاب، منها الآبكالّو (الأفكل بالعربية ويعني الحكيم لعلاقة الماء بالحكمة)، وأيضًا هم الصنّاع الفنانين المهرة والسحرة (الأومانو).
يرد في  قصة «عروج الحكيم آدابا إلى السماء”، النص التالي:
« كاهن التطهير لمدينة أريدو،آدابا الذي صعد إلى السماء وهو من سبعة حكماء لامعين».
في نص أخر من العصر السلوقي عن المؤرخ البابلي برعوشا (بيروسوس باليونانية) والذي عاش نحو النصف الأول من القرن الثالث ق.م، وله مؤلف مهم باليونانية عنوانه « تاريخ بلاد بابل»، فُقد معظمه مع الأسف، يرد:
“ظهر على شاطئ كلديا (الاهوار)،  كائن ضخم من البحر يدعى اونيس بجسد يشبه السمكة وتحت رأسه رأس آخر، له أرجل شبيهة برجلي إنسان وكان يقضي نهاره بينهم يعلمهم الكتابة والعلوم وتشييد المعابد والهندسة، وكشف لهم عن زراعة الحبوب و قطف الثمار وصيد السمك، وعند الغروب كان يغطس ثانية في البحر .ويقضي ليله في الماء».

إن ما جرى سرده اعلاه، من مقتطفاتٍ ادبيةٍ وتفاصيل تاريخية، تثبت بلا أدنى شك، حيوية النهرين العظيمين دجلة والفرات في تأسيس كيان العراق تاريخيا ووحدته، فهما بمنزلة الضرعين المؤسسين لحضارته العريقة على مر عصورها، ولا ادل من ذلك كثرة النصوص الادبية والدينية والشواهد الأثرية المتعلقة بالماء وروافده، وهذا يدعونا للوقوف والتفكر مليًا بالمصير الذي ينتظر البلاد، إن جف تدفقهما لا سمح الله، هذه البلاد التي هبطت فيها الملوكية من السماء على الارض بحسب قراطيس اساطيرها، حيث بدأ التاريخ !.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية