جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


من حقول البارود إلى أمسية عن الموسيقى الأليكترونية في ساحة الأندلس !


علي عبدالأمير عجام
في أواخر العام 1988 وبعد نحو شهرين من نهاية الحرب العراقية الإيرانية، حين عشت نحو عقد من البارود الذي سمم حياتي أو كاد، دعيت إلى إحياء أمسية في اتحاد الأدباء العراقيين عن التيارات الجديدة في الموسيقى العالمية المعاصرة.
كان ذلك مناسبة جيدة لعرض معرفتي وشغفي بلون من الأنغام آخر غير الذي عرفته الذائقة المحلية،  فمع امتداد سنوات الحرب أصبحت ذائقتي الشخصية أكثر ميلا إلى الموسيقى المجردة، ولكن لابد من تعبيرات أخرى مغايرة غير التي حفظت ودرست وأحببت، غير باخ، بيتهوفن، شوبان، موتسارت وتشايكوفسكي، غير هؤلاء، وهكذا وضعت يدي على New Age Music أو “موسيقى العصر الحديث” التي لم تكن مجرد آلات موسيقية وصوتية ومؤثرات أليكترونية وحسب، بل تعبيرات معاصرة هي أشبه بـ”نثر”الموسيقى، فهي أنغام مكتوبة على الأغلب خارج السلم الموسيقي، ومثلما “قصيدة النثر” تحقق ايقاعاها خارج “الوزن”، هنا الموسيقى الجديدة تحقق “الهارموني” خارج السلم الموسيقي.
يعود الفضل في تلك المعرفة بالأصل إلى مقطوعة كانت تعتمدها “اذاعة مونت كارلو” أواخر سبعينيات القرن الماضي وأصبحت علامة برنامجها الأخباري المسائي الشهير “بانوراما”. تلك كانت مقطوعة هي واحدة من ست وضعها المؤلف الفرنسي، الشاب حينها، جان ميشال جار وحملت عنوان “أوكسجين”، وهو عمل مكتوب برؤيا شمولية للعالم، انه بحق بانوراما المشاعر الانسانية في دوامة اضطرابها المعاصرة.
وجان - ميشيل جار هو، ابن الموسيقار الكبير “موريس جار”، اعظم واضع للموسيقى التصويرية في السينما المعاضرة: وضع الموسيقى للفيلم “دكتور زيفاغو”، «عمر المختار» و»لورنس العرب» وغيرها ونجله البارع، استطاع ان يطوع التقنية لمفاهيمة في العمل الموسيقي، لان ان تكبله هي بحدودها (الالية) وبذلك اراد ان يفتت ذلك الاندراج المخيف للانسان تحت سطوة الالة والخروج بالتالي من عزلة الموسيقى (كنتاج ثقافي يتسم بالحلمية) الى نحو تكون فيها اكثر التصاقاً بمشاعر الانسان اليومية، كونها عنيت بموضوعة تعبيرية يجابهها في كل لحظة.
ان هذا الموسيقي يمثل المرحلة التالية والناضجة من اتجاهات الموسيقى العالمية المعاصرة -الموسيقى الاليكترونية- تحديداً، وهو غالباً ما يقيم مشاريع تأملية للعالم وشجونه موسيقياً! حيث الجرأة والتفرد، فهو يكاد يكون اوركسترا مختزلة!، حين يجلس الى جهاز توليفي تركيبي Synthesizer مع عقل اليكتروني يبرمج كل ما في الموسيقى من أصوات آلاتها، وكل ما في الطبيعة من أصوات ايضاً! ويكفيه انه كان يحدث ضجة في كل عمل يقدمه.
بعد معرفة جان-ميشال جار، جاء الدور على المؤلف اليوناني الأصل فانجليس (رحل قبل أيام) الذي شغلني في غواية مطولة عبر أعماله ومنها China الذي جاء سياحة في الفكر الصيني وحضارة بلاد السور العظيم، أو العمل الـتاملي في الحياة وجانبها الآخر: الموت والذي تضمنته اسطوانته “احتفالات التراب” Soil Festivities التي حين عرضت لها في أمسية اتحاد الأدباء بساحة الأندلس أثارت انتباهة قوية لا عبر عنوانها المثير الذي يضج بشعرية لافتة.
وقصتي مع فانجليس (الصورة) الذي سبق له أن وضع معظم ألحان الفريق الغنائي “طفل أفردويت” بقيادة المغني الشهير ديمس روسز قبل أن يتجه للعمل التأليفي في قالب “موسيقى العصر الحديث” ومنها ربحنا أعماله المهمة ومنها في الموسيقى التصويرية لأفلام عالمية شهيرة منها “عربات النار” “بليد رنر”، “فتح الجنة”، “الكسندر” وغيرها.
في موسيقاه لفيلم “فتح الجنة” (1992) وتحديداً في مشهد وصول سفن كريستوف كولومبس إلى العالم الجديد (أميركا)، ثمة تمهيد نغمي وصولاً إلى ايقاع يحاكي مشاعر مختلفة من الجبروت والغموض والترقب، وكان ذلك مثيراً للتأمل بقدر ما هو مثيراً للترقب والجموح في المشاعر. هذا ما دفعني إلى استخدام المقطوعة ضمن قراءة موسيقية شخصية وضعتها لعمل مسرحي أخرجه الفنان العراقي حسين علوان 1995 في الفضاء الخارجي لـ “دارة الفنون” في أول أيام إقامتنا المشتركة بالعاصمة الأردنية، وهو عمل يطوف في تحولات الشاعر الفرنسي رامبو وتحولاته العجائبية مكانياً وانسانياً.



المشاركة السابقة