جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » نصوص


الصوفي الغريب


الى تائه بين أناه وانا..
سعاد الجزائري

هل رأيت مثلي كيف يركض العمر بخطوات مسرعة نحو اتجاهه المعاكس، ومازلنا كما نسانا الكل، نجلس في تلك الزاوية كطفلين خائفين من خطواته العجلى.
زمننا يتعثر بظله، ينهض ويكبو، ثم يقف مترنحا ليسقط على وجهه ويتعفر بتراب الوحدة..وحدة الروح المرعوبة من هذا المرور السريع..
كل الاشياء تختفي بسرعة وتغيب دون ان تترك أي أثر، إلا الألم الذي أعلن وفائه التام لنا وبقي معنا، لصيقا كظل لا يغيب ابدا..
على لوحات الزمن، كتبت قصة ذلك الغريب الذي فقد اسمه وتفتت تاريخ مولده بين زخات المطر، لان سيول المياه مسحت الكلمات والحدود، فضاع الغريب بين الزمن والمدن..
لوحات حياته تبللت بالمياه وتداخلت الألوان مع بعضها فضاع الوجه وغرقت الورود وطافت على سطحها بواخر غرباء دون ربان...
رأيته يوم عبرت بوابة الغربب الى زنزانة الوحدة وتسلقت جذوع إشجار الوحشة باحثة عن ورقة خضراء في عالم التيه الجاف والمتكسر..
هل أخترتك الاخر الأزلي لتسكن حزني أم لأسكن حزنك، فكلانا رأينا حلمنا معلقا بحبل المشنقة، وسرنا معا لنشيّع فرحنا الذي وٌأد في أول أشراقته..
تهت في دروب أيامه كصوفي متعبد لا قبلة لصلاته إلا نحو حب معطوب يتكسر على حواف زمنه..
يجوب طرقات الغربة.. متاعه ألوان سراب يظهر ويتلاشى، وحلم معلق تهزه ريح الوحشة..
الوانه تتشابك وتتصارع، فيضيع احمرها مع اخضرها ويشرق الاصفر زاهيا فيحلّ عليه ليل الوجع فيخبو اللون ويختبىء خلف خوفه..
أي وجع ولد داخل رحم إطار الوحشة وأي أنين رسمه أزرق لونك؟.
لا تنس الحزن لان إلوانه ستجف، فنحن من يرسم الحزن ويلونه، والحزن يضفي الوانه على نصوصنا وعلى لوحات حياتنا.
على حدود غربتنا تركنا احلاما معلقة على حبال مكاننا الاول، وعند العبور الموحش لبسنا احلاما بللتها زخات مطر وانهمار دمع الغريب الذي صار موطىء قدمه ضريحا لنذور غرباء عبروا من بعده..
سأصلي وأتعبد لذلك الحزن الذي تأطر في لوحة كائن مقدس يحمل صولجان قهره وقهر الاخرين...
لابكف الغريب عن التجوال مثل صوفي جعل من سجادة حزنه ربيعا للاخربن، وعشقه الحزين انشودة وعبادة لأتباع الحياة الذين يركعون لضوء داخلي وهم يلتحفون ظلمة ليل سديم..
انت ياغريب الحزن سترسم اللوحة الاخيرة للضوء بألوان الحياة، واخضرك حقول شاسعة تنبت فيها زهور عباد الشمس، فهل يضيرك حزنا ينبت زهورا كأنها الشمس ولا تستدير الا نحو شعاعها وتنحني حزينة عندما تلم الشمس اشعتها وترحل، سأرحل معك يا غريب...

الليل لنا..
الليل لنا..
يخاف الشاعر النوم، لأنه يسرق أشعاره. وأن غفا تخرج الابيات من أحلامه لتسكن ضوء الفجر، فتنكشف أمام الحشد قصص حبه وأسراره التي أودعها أمانة عند كلماته..
يخاف الشاعر النوم، فإن غفت عواطفة تنتحر القصائد على شرفات الخمول وتذبل المعاني قبل النطق بها..
يخاف الرسام أن ينام خشية أن يكمل لوحته كابوس هرب من خوفه...
يخاف النحات أن ينام فمن سيكمل الوجه الذي صاغه وبث فيه الروح، وإن غفا فمن سيمنحه نبضة الحياة..
يخاف العاشق أن ينام، لأن لحظة الوجد تمر بسرعة البرق، ولا تترك خلفها أي عنوان..
تخاف المرأة أن تنام، خشية أن يدخل حلمها غريب مر خلف نافذتها المغلقة وأختفى دون أثر يُذكَر..
الليل لن يكون إلا لنا..



المشاركة السابقة : المشاركة التالية