جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » زمان ومكان


كتاب الهروب ١٠ .. اكتشاف الحياة


عبد الخالق كيطان
يبدو اكتشاف الحياة بالنسبة لي هو الاكتشاف الأبرز في تجربتي الأسترالية، وقبل هذه التجربة لم أكن أعرف حقيقة ما الحياة.. نحن نردّد على الدوام أن الحياة تعاش مرّة واحدة فقط ولكننا لم نكن ندرك أهمية الخروج من شعار مثل هذا لصالح تحقيقه! لقد ظلّت حياتنا على الدوام ناقصة، أو أننا انشغلنا بالشعارات فنسينا الحياة..
وبالطبع فإن عوامل عديدة أسهمت في صياغة فهمنا للحياة باعتبارها شعاراً، لا يمكننا أن نستبعد مثلاً الدين الذي يعدنا على الدوام بحياة أجمل بعد الموت، ولا يمكننا تجاوز الوعود الجبارة التي كانت تطلقها أمامنا الأحزاب الكثيرة التي كانت، ومازالت، تتحكم فينا. ثم جائت لوثة الأدب لتزيد من تعقيد الموضوع بأن أبعدتنا مسافات شاسعة عن الحياة!
وفي أستراليا عرفت جيداً أن هذا الشعار لا قيمة له أبداً إذا ما ظل شعاراً فقط.. الحياة أهمّ من أيّ فكرة أخرى، وعيشها يتطلب أن نعيشها حقاً، فهل فعلنا في بلادنا، الموصوفة شرق أوسطية؟
من يملك حريته؟ كان ذلك هو السؤال الذي بقيت أبحث عن إجابة له طيلة سنوات وسنوات... فأنا أبن جيل فقد حريته مبكراً.. لقد فتحنا أعيننا على فكرة واحدة هي فكرة الحزب القائد والأب القائد ثم الرئيس الأوحد... ولم يكن في وسعنا، أو بالأحرى لم يمنح أبناء جيلي فرصة لمراجعة هذه المفاهيم وما يجاورها.. لقد تلقينا ذلك باعتباره من المقدسات التي لا يمكن المساس بها بأية حال من الأحوال.. ثم كبرنا قليلاً لنجد أن بانتظارنا حرباً سيحتال أبناء جيلي بالوسائل الممكنة وغير الممكنة للفرار منها، لأنها ببساطة لم تكن حربهم على أية حال.. وبانتهاء هذه الحرب اللعينة كان علينا أن ندخل في قصة غزو الكويت، ثم الهزيمة الشنيعة، فالانتفاضة الشعبية  ليتكلل الفصل بقصة الحصار الدامي وما تبعه من هوس بالرحيل، والذي كنت شخصياً أحد عناوينه...
سيرة مثل هذه لا مجال فيها ولا فرصة للبحث في مصطلح الحرية... فلقد اكتشفت أن الحرية لا تمنح بل تكتسب، وهذه حقيقة مؤلمة عرفتها تحديداً في أستراليا.. لقد ولدنا وعشنا لنعاني من التشوه، ذلك التشوه الذي ما زال يلقي بظلاله على أكثرنا... فقدنا الكثير من الأصدقاء.. فقدنا بيوتنا... علاقاتنا.. بل فقدنا تاريخنا.. والتشوّه يتابعنا فيفسد علينا حياتنا فمن أين لنا فرصة التفكير بالحرية؟ صارت هذه الكلمة ترفاً ونحن أبناء الفقر والجوع والحاجة... الترف لا يرد في قواميسنا إلا في حالات البحث الفكري.. والحرية بحث فكري بالنسبة لنا، نقرأ عنه، نتناقش ونختلف ولكن في حدود الترف الفكري وحسب.. أما ممارسة ذلك فيدخل في باب الممنوعات..
الشاطئ الأسترالي حرّ بطريقة لافتة للانتباه.. الماء هنا يحيط بالقارّة، أو الدولة الفتيّة، من كل الجهات.. والماء، في معتقدي، رديف التطهّر، إن لم تكن فكرة الطّهارة ماثلة أصلاً فيه. الشعوب الأصليّة في أستراليا كانت قد أقامت مستعمراتها البدائية بالقرب من الماء. ثمة قرى على تخوم الصحراء، ولكن: لابد من نهر، أو بحيرة.. ماء بعبارة واضحة. ثم جاء المستعمر الإنجليزي ليشيّد  حضارته الضّخمة في السّاحل الطويل. فكانت المدن الأسترالية الكبرى: سيدني، كانبيرا، ملبورن، أديلايد، بيرث، دارون، كوينزلاند وبرزبان.... وهي مدن حداثية عصرية متكاملة، على أن أبرز ملامحها حزمة من الأساسيات: محطّة قطار، بنك، نادي، فندق، مجمّع تسوّق، وما شابه. تحوّلت هذه الأساسيات اليوم لتكون في كل ضاحية في المقاطعة الواحدة.
كنت قد وصلت أديلايد، عاصمة الجنوب الأسترالي، والمدينة كانت تشي بسمات استبعدت معها ما اختزنته ذاكرتي بخصوص المدن الغربية التي كنت أسمع عنها. وفي حالة أستراليا فلقد كانت صورة المدينة الضّخمة، الضّاجة بالحياة والتنوع، وأعني سيدني، حاضرة في ذهني، ولكن أديلايد لم تكن كذلك. هنا الحياة رتيبة. والهدوء هو الذي يرسم صورة واقعية لكل شيء. هدوء يصيب المرء في الكثير من الأحيان بالكآبة التي لا علاج لها سوى الذهاب إلى البحر. والبحر قريب. والألوان البشرية سمة فيه. هنا كانت متعتي الأولى. وشيئاً فشيئاً بدأت بصياغة نسب من نوع ما بيني وبين ساحل البحر. نسب سيذكّرني على الدوام بنسبي ونهر دجلة الذي لا يبعد عن منزل أهلي في العمارة، جنوب العراق، سوى بضعة بيوت. ونسب لا ينفصل بالضرورة عن النسب الذي شيّده أسلافي الأستراليون وهم يقيمون حواضرهم في الأمكنة ذاتها، تلك اللصيقة بالماء.
هنا تعملقت عندي مسألة البحث في فكرة الحرية. فلقد وجدت نفسي فجأة أعيش بين عدد لا يمكن حصره من القوميات، المذاهب والأديان، أيضاً اللغات.. وجملة “لا حصر له” ليست من باب المبالغات. الحيّ الذي سكنت فيه أول الأمر كان يسكنه الإيطاليون بوجه غالب، ثم سكنت في حيّ أغلبه من اليونانيين، سليلي الحضارة الأغريقية العتيدة. فيما الملامح الصينية، الآسيوية، الشرقية، الأفريقية، الغربية، ألخ.... تحاصرك في كل جزء من أجزاء المدينة تطأه قدماك. والسؤال هنا: كيف استطاعت هذه الهويات أن تندمج وتعيش في الفضاء الأسترالي. ودون عناء بحث ستجد أن مفردة الحرية حاضرة بقوة في جواب هذا السؤال...
ما الحرية إذن؟
وهل عشنا حريتنا حقاً؟
أما في طرف أستراليا الشرقي، وأعني سيدني، فلقد كان يعيش مجموعة من الأصدقاء. وكنت على تواصل تليفوني مستمر ببعضهم.
لقد عشت فترات متقطّعة في سيدني، قبل أن أستقرّ فيها نهائيا منذ العام ٢٠١٤. كانت مجموعتنا قبل ٢٠١٤ تضمّ: عبد الجبار ناصر، د. حسن ناظم، حسن ناصر، عماد حسن، جسّام خضر، عباس مخرّب، بالإضافة للشاعر اللبناني الكبير وديع سعادة.
كنا نجتمع في منزل أحد أعضاء المجموعة، على الأغلب عماد حسن، بغياب شخص أو باكتمال العدد. وبين دخان السجائر، التي يكرهها حسن ناظم، والتي سأكرهها أنا أيضاً بعد سنوات من ذلك، وتصارع أقداح الخمر، كنّا نناقش كل شيء. وأهم ما كنّا نناقشه العراق. ثم قضايا الشعر والثقافة والاغتراب. كانت هذه اللقاءات تمثل مدرسة تعلمت منها الكثير جداً. حسن ناظم يسهب من الحديث الفكري العميق الذي يلاحقه فيه حسن ناصر بتفرعاته المثيرة، فيما نتداخل أنا وعماد وعباس وجسّام، في بعض الأحيان، لنطفئ حرارة اللهيب، أو لنزيدها اشتعالاً. نضحك بقوة. ثم نصمت طويلاً ونحن نستذكر بغدادنا القصية.
في تلك الأمسيات كنا نتدرب على مجاورة بعضنا البعض. وكثيرا ما كنا نكتشف أن السياسة قد افسدت حياتنا بالفعل. مع ذلك فلقد كانت مشاريعنا الفردية في الأدب والفنون حاضرة بالرغم من قسوة الظروف التي كنا نعيشها. وهي قسوة، حتى لا يساء الفهم هنا، سببها المحيط اللغوي الذي نعيش فيه مقابل أداء لغوي آخر كنا ننحت فيه ومن خلاله افكارنا.
هذه النقطة بالذات كانت بمثابة عوق. وهي ما عنيته بالقسوة. أننا نفكر ونكتب بلغة لا نتواصل من خلالها في يومياتنا. واللغة كائن يتطور. وكان علينا أن نتطور. وذلك يؤدي إلى سؤال الهوية. من نحن؟ لماذا نتحدث دائماً عن الديكتاتورية ونحن نعيش في ظل نظام ديمقراطي؟ نحلل الشعر، والرواية العربية فيما نحن بعيدين جداً عن الشعر والرواية الأسترالية. ثمة منا من حاول تفكيك ذلك، ولكنني أزعم أن المشكلة تتعقد كلما تعمقت فيها. هل سيصبح لك مكان هنا فيما أدواتك اللغوية مختلفة؟ وهناك… من يعبأ بمحاولاتك؟ أو بالأحرى هل هي محاولات تستحق العناية والانتباه؟
مثل هذه الأسئلة كانت تطرح دائما، قبلنا وربما بعدنا. اختلاف الثقافات بين وهو يقود إلى فهم مختلف للحياة وشروطها. مباهجها وعذاباتها.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية