جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » متابعات


الألمانية لغة فظيعة


مارك توين
ترجمة ملهم الملائكة

(الجزء 2)
في 31 تشرين الأول/ أكتوبر 1897 ألقى الكاتب الأمريكي الساخر مارك توين هذه المحاضرة عن اللغة الألمانية في نادي فينا للصحافة، (والغريب أنّه قد ألقى المحاضرة في جلسة واحدة رغم طولها الذي اضطرنا إلى تقسيمها لجزئين لتيسير نشرها على صفحة تاتو الجميلة)
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الألمانية لا تنفرد بالصعوبات المشار إليها في هذه المحاضرة، كما أوضح عالم اللسانيات غي دويتشر، مشيراً إلى أن مارك توين ببساطة كان يتعلم تلك اللغة آنذاك، فتعثر بمشكلاتها، وإلا فإن العديد من اللغات الأخرى تحتوي على خصوصيات بنفس التعقيد الذي استهزأ به توين في محاضرته، بما في ذلك الفرنسية والروسية واللاتينية.
وبصفتي مترجم هذه المحاضرة لأول مرة إلى اللغة العربية، لابد أن أنبه القارئ إلى أن النصوص المرتبكة وغير المنطقة وغير المعقولة التي تصادفه في النص سببها سخريات مارك توين، فهو يخلط الجد بالهزل في كلامه، وحرصاً على الأمانة حافظت على النص كما هو.
مترجم النص ملهم الملائكة

  الضمائر الشحيحة
لدى تعامله مع اللغة الألمانية عن كثب بوسع القارئ أن يرى بنفسه مدى تشابك واضطراب قضية الضمائر بهذه اللغة، لاسيما بالنسبة للسان لم يعتدها. وفي ظني أنه يوجد في كل اللغات مشابهات في الكلمات والألفاظ، بين كلمات لا تتشابه معانيها، وهذا بحد ذاته سبب للبلبلة والتشويش على الشخص الغريب على اللغة. وهكذا هي المقاربة، على وجه الخصوص، بين اللغة الألمانية وبين لغتنا (الإنكليزية)
لنأخذ على سبيل المثال تلك الكلمة الإشكالية VERMÄHLT (بمعنى متزوج)، بالنسبة لي أجدها مقاربة لثلاث أو أربع كلمات أخرى، لا اعرف بالضبط إن كانت تعني، محتقر، مصبوغ او مرسوم، مظنون، أم متزوج، حتى عدت إلى المعجم، لأعرف متأخراً أنّها تعني آخر المعاني الموصوفة أعلاه.
هناك كثير من الكلمات مثل هذه، وهي مصدر عذاب شديد. ولزيادة الصعوبة، هناك كلمات تبدو أنها مرادفة لبعضها، إلا أنه في الحقيقة ليست كذلك، بل هي مصدر للمشاكل إسوة بما ظنناه مرادفاتها! مثال على ذلك، كلمة VERMIETEN (بمعنى يؤجر، يستعير لقاء ثمن، يستأجر)، وإزائها توجد كلمة VERHEIRATEN (وتعني يتزوج)، وقد سمعت من رجل إنكليزي سبق له أن قرع باب بيت رجل ألماني بمدينة هايدلبيرغ، وتقدم بأشد الكلمات الألمانية تهذيباً، كما تعلمها، إلى الرجل طالباً منه أن يتزوج «verheiraten“بيته!
من جهة أخرى، هناك كلمات تعني شيئاً ما حين تنطقها مشدداً على مقطعها الأول، فيما يختلف معناها تماماً حين تنطقها مشدداً على مقطعها الأخير. ومنها كلمة تعني „هروب“ أو „فعل النظر في الكتاب“، وذلك يتبع طريقة نطقك للكلمة!
مثل ذلك كلمة تعني أما التواصل مع المرء، أو تجنبه، ويعتمد ذلك على كيفية النطق وتشديده، وهكذا فإن مجرد الخطأ في تشديد النطق، سيقلب المعنى ويضعك في مشكلة.
هناك كلمات مفيدة حقاً في هذه اللغة، ومنها كلمة SCHLAG (يضرب)، وكلمة ZUG (قطار)، وحين تعود إلى المعجم، ستجد ثلاثة ارباع العمود في معاني SCHLAG، وعمود ونصف عمود كامل لمعاني كلمة ZUG.
من معاني كلمة SCHLAG، يضرب، يطرق، يقتحم، يقرع، يصدم، يقفل، يصفع، الوقت، حانة، عملة معدنية، طابع بريد، نوع، أخلاق، طريقة، شلل، جلطة، تحطيب، لقاء، حقل، تنظيف الغابة. هذه معانيها البسيطة المباشرة، فهي محددة، ومعان مقيدة. ولكن ثمة سبل تجعل هذه الكلمة حرة في الاستخدام، فتبتعد عن معناها الأصلي المعجمي، فهي تحلق على „أجنحة الصباح“ بعيداً ولا تستريح قط! وبوسعك أن تضع في ذيلها أي كلمة تشاء، فتدل على أيّ معنى تريده أنت. ويمكنك أن تبدأ بتعبير SCHLAG-ADER والتي تعني شريان، ويمكنك ان تجرب كل كلمات المعجم مع SCHLAG، فتحصل على SCHLAG-WASSER وتعني ماء آسن، وSCHLAG-MUTTER التي تعني حماة.
ويحصل مثل هذا مع كلمة ZUG والتي تعني ضمن ما تعني، يسحب، يجر، عطش، موكب، مسيرة، تقدم، قتال، اتجاه، رحلة استكشافية، قطار، قافلة، سوق مسقف، ضربة، لمسة، خط، يزدهر، ملمح من ملامح، أسارير، سمة الشخصية، حركة الشطرنج، توقف جهاز عضوي، فريق، دُرج، نفحة، نزعة، انحياز، نزوع، استنشاق، تغير. أما ما لا تعنيه هذه الكلمة، في ضوء كل ما ذكرناه من متعلقات، فإنه باقٍ لم يكتشف بعد.
وليس بوسع المرء أن يغض الطرف عن فوائد SCHLAG  وZUG، فبمحض تسلحه بهاتين الكمتين مرفقتين بكلمة ALSO سيكون بوسع الأجنبي أن يحقق كل شيء فوق التراب الألماني! 
كلمة ALSO الألمانية هي مرادف للتعبير الإنكليزي المعروف «كما تعلم You know „ ، ولا تعني أي شيء في سياق الحديث، لكنها قد تدل على بعض المعاني حين تأتي مطبوعةً. كلما فتح الألماني فاه، سقطت ALSO منه شاء أم أبى، وكلما أغلق فمه، قطع بأسنانه، ALSO أخرى كانت تحاول الخروج! الأجنبي المسيطر على هذه الكلمات النبيلة الثلاث سيصبح سيد الموقف، ولا تثريب عليه في الاسترسال بالحديث دون خشية، فله أن يتحدث بألمانيته دون تردد، وحين تعوزه كلمة ما، فبوسعه أن يقحم SCHLAG لسد الفراغ، وغالباً فإنها ستملأ الفراغ تماماً مثل سدادة تستقر في وقبها. أم لو لم تنفع، فبوسعه أن يضيف بعدها كلمة ZUG فتعمل الاثنتان لسد الفراغ بلا خطأ. ولكن، لو حدثت معجزة، وعجزتا عن سد الفراغ، فبوسع المرء أن يقول ببساطة كلمة ALSO، فتمنحه فرصة للتفكر في كلمة يوردها لتناسب المقام.
في ألمانيا، حين تحشو سلاحك الحواري، يستحسن دائماً أن تطلق مرتين كلمة SCHLAG وأن تطلق مرة أو مرتين كلمة ZUG، وعندها لن يلحظ المتلقي فرقاً كبيراً مهما تساقطت العبوات الكلامية الأخرى، فبتركيب هاتين الكلمتين ستخرج جملك حتماً بشيء ذي معنى. ثم تشفعها بإطلاق كلمة ALSO وتعود لتحشو سلاحك. لا شيء يمنح لغة الحوار الألمانية والإنكليزية رشاقة وجمالاً مثل تكرار استخدام عبارات ALSO وعبارة „كما تعلم You know „ بالإنكليزية.
في دفتر ملاحظاتي عثرت على ما يلي:
الأول من تموز/ يوليو، يوم أمس في المشفى، أزيلت بنجاح كلمة من 13 مقطع من مريض في شمال ألمانيا قرب هامبورغ. ولكن، وللأسف، فإنّ الجراحين قد فتحوا المريض في المكان الخطأ، في ظل توهمهم أن لديه „بانوراما“، وهكذا مات المريض! هذا الحدث الحزين ألقى بظلال الهم على كل الحاضرين.
المقطع المذكور، يؤثث لنص مكوّن من بضع عبارات حول واحد من أبرز ملامح موضوعي هذا، وهو طول الكلمات الألمانية. هناك بعض الكلمات تبلغ من الطول حداً يجعلها غامضة ضمن المنظور الخاص بها. إليك هذه الأمثلة:
Freundschaftsbeziehungen علاقات الصداقة
Dilettantenaufdringlichkeit تدخّل الهواة
Stadtverordnetenversammlungen اجتماع مجالس المدينة
هذه الأشياء ليست كلمات، بل هي مواكب طبقاً لحروف الهجاء، وهي ليست نادرة، فبوسع المرء أن يفتح أي صحيفة ألمانية خلال اليوم، وسيرى المواكب تترى مزهوة عبر الصفحات، ولو كانت مخيلته خصيبة، فإنّ فبوسعه أن يرى البيارق ويسمع موسيقى المسير أيضاً. وهي تضفي على أي موضوع متواضع طقساً من الفخامة العسكرية. هذه الخصوصيات طالما استحوذت على اهتمامي، وكلما مررت بواحدة ملفتة للنظر، ضممتها إلى متحفي. وبهذا الشكل تراكمت عندي مجموعة مفيدة. وحين تتكرر المفردات، اتبادل المفردات مع هواة آخرين مهتم بجمع هذه التحف، وبهذا يتعاظم ويتنوع خزيني منها. فيما يلي بعض منها ابتعته من مزاد أقامه متصيد أصيب بالإفلاس:
Generalstaatsverordnetenversammlungen الجمعيات العمومية لمجالس الدولة
Alterthumswissenschaften الدراسات الكلاسيكية
Kinderbewahrungsanstalten مؤسسات المحافظة على الأطفال
Unabhängigkeitserklärungen إعلانات الاستقلال
Wiederherstellungbestrebungen جهود إعادة الاعمار
Waffenstillstandsunterhandlungen مفاوضات وقف الاعمال
وحين تتمدد إحدى هذه الكلمات الجياشة على طول الصفحة المطبوعة فإنها تمنح الهيبة والفخامة للمشهد الأدبي، لكنها في نفس الوقت تفاقم محنة الطالب المستجد، لأنها تشكل عقبة في طريقه، فلا يعود بوسعه أن يزحف تحتها، أو أن يتسلقها أو أن يحفر نفقاً أسفلها، فيضطر للرجوع إلى القاموس طلباً للمساعدة، لكن للأسف لن يجد فيه ما يعينه. فالقاموس له حدود يقف عندها في تحديد طول الكلمات وتراكيبها، وحين لا يجد تلك الحدود، يتجنب عرضها، وله الحق في ذلك، فهذه الأشياء المتطاولة لا تكاد تحسب كلمات مشروعة بحق، بل هي تركيب كلمات، ولابد من قتل مخترعها. إنها كلمات مركبة رفعت الشارحات المفترضة بينها. الكلمات التي تشكلت منها هذه التعابير، موجودة مفردة في القاموس، لكنها بالطبع متناثرة بحسب حروف الهجاء التي تبدأ بها، لذا فعلى القارئ أن يطارد المعاني واحداً واحداً، ثم يجمعها معاً ليحزر نتيجة التركيب، بعد لأي ومشقة. وقد تابعت بنفسي بعض تلك التراكيب ووصلت إلى نتائج مضحكة.
ولكن مرض تركيب الكلمات قد زحف إلى صحفنا ليصل بها إلى اليوم، متّبعاً النمط الألماني برفع الشارحات بين الكلمات. وهكذا، فعوضاً عن القول „السيد سيمونز، الموظف في مكتب محاكم المقاطعة والمنطقة، كان في المدينة يوم أمس“، بات الشكل الشائع لترتيب الجملة اليوم هو: „موظف مكتب محاكم المنطقة والمقاطعة سيمونز كان في المدينة يوم أمس“.
لكنّ هذا التركيب لا يحقق اقتصاداً في الوقت ولا في الحبر، علاوة على أنّه ثقيل على أذن السامع. وبات المرء يعثر على تعابير مثل هذه في الصحف ومن أمثلتها:
«السيدة مساعدة ادعاء عام المنطقة جونسون عادت إلى مسكنها يوم أمس في هذا الموسم».
في الحقيقة فإنّ هذه حالة من التركيب غير المبرر لأنها لا توفر الوقت ولا الجهد، بل تتآمر على لقب السيدة جونسون! لكن هذه الأمثلة الصغيرة عبارة عن حالات لا تذكر مقارنة بما يفعله نظام التركيب اللغوي الألماني المتثاقل من مزج وتركيب للكلمات وللغة عموماً. وأعرض لكم في هذا السياق قطعة منتزعة من صحيفة مانهايم لأبين طريقتهم في عرض الكلمات“:
«في، ما قبل الساعة الحادية عشر من ليلة اليوم الذي سبق البارحة، فإنّ حانة مركز المدينة المسماة «ذا فاغنر» تعرضت للحريق. وحين وصل اللهيب إلى استراحة مركز المدينة المسماة «استراحة اللقالق»، فقد طارت اللقالق هاربة. لكن حين طالت ألسنة اللهيب «عش اللقالق“ نفسه، سارعت أم اللقلق للعودة لتلقي بنفسها في اللهيب، فاحترقت ونفقت ناثرة رماد أجنحتها فوق صغارها التي كانت في العش“.
حتى البناء اللغوي الألماني المرهق ليس بوسعه أن يستبعد „المشاعر المفرطة“ في هذه الصورة، بل يبدو كأنه يقويها. هذا النص يعود لبضع أشهر مضت (آنذاك وقت ألقى مارك توين محاضرته عن اللغة الألمانية ونشرها كمقال بعد ذلك). وكان بوسعي أن استخدم منذ وقت مبكر هذا المقطع كمثال على تعقيدات اللغة الألمانية، لكني كنت أنتظر رد فعل اللقلق الأب، وما زلت انتظر رد فعله!
وهكذا «ALSO!» فإن لم انجح في إظهار صعوبة اللغة الألمانية، فقد حاولت أن أفعل ذلك على الأقل. وقد سمعت أن طالباً أمريكياً قد سُئل أثناء دراسته الألمانية عن مستوى تقدمه فيها فأجاب باقتضاب“ انا لا أتقدم قط، لقد عملت بشدة لتعلم اللغة على مدى 3 أشهر، فكانت كل حصيلتي هي عبارة“ ZWEI GLAS› „ أي „قدحين من الجعة“، ثم سكت هنيهة وعاد ليقول: لكني بعت القدحين على كل حال“.
في كل ما عرضت إن لم أكن قد كشفت ضعف وانحطاط دراستي للغة الألمانية فإنما هو خطأي في التنفيذ وليس في نية الكشف! سمعت مؤخراً عن طالب أمريكي أنهكه الدرس، كان يلجا إلى كلمة ألمانية معينة ليستريح حين لا يعود بوسعه تحمل الضغوط، الكلمة الوحيدة ذات الوقع العذب على اذنيه والتي تشفي روحه المعذبة، هذه الكلمة هي DAMIT وتعني وهكذا، لكن ما كان يفرحه وقعها ورنين حروفها وليس معناها. وهكذا، فحين أدرك بعد وقت طويل أن التشديد في اللفظ لا يقع على المقطع الأول، ذهب عنه السبب الوحيد الذي يبعث البهجة في روحه، فصار يذبل حتى قضى.
وفي ظني أنّ وصف أي واقعة صاخبة راعشة مضطربة سيكون أكثر ألفة بالألمانية منه بالإنكليزية. فكلماتنا (الإنكليزية) لها أصوات أشد صدى، وأعمق صوتاً، فيما تبدو رديفاتها الألمانية نحيفة رائقة وضامرة الطاقة. فكلمات من قبيل انفجار، تفجير، اصطدام، جعير، عصف، رعد،، صريخ، زعيق، صراخ، تجشأ معركة جحيم (كلها بالإنكليزية) هي كلمات رائعة، تحظى بقوة وقدرة جذب تناسب الموصوفات التي تطلق عليها. أما كلماتهم الألمانية المرادفة لهذه، تبدو رقيقة إلى درجة أنها تصلح كترانيم لتنويم الأطفال، أو أنّ اذني التي مسها القرح باتت معتادة على تحليل الأصوات فلم يعد يهزها صوت!
هل يرغب أي رجل بأن يموت في أي معركة توصف بكلمة رقيقة مثل „شلاخت» SCHLACHT؟ أم هل يشعر المسلول بثقل قيوده، فيغادر دثاره إلى قميص رقيق بعد أن يسمع بكلمة غيفيتر GEWITTER الرقيقة مثل تغريد الطير وهي تصف الطقس؟
وتأمل أقوى كلمة تعبر عن معنى „انفجار“، وهي AUSBRUCH، أليست كلمتنا في وصف فرشاة الاسنان Toothbrush أقوى من الكلمة الألمانية في التعبير عن الانفجار؟
ويبدو لي أن الألمان بوسعهم أن يفعلوا ما هو أسوأ من استيراد هذه الكلمة من لغتنا وضمها إلى لغتهم للتعبير عن معنى „انفجار“!
الكلمة الألمانية للتعبير عن „الجحيم“ هي Hölle فيما هي أقرب ما تكون إلى وصف منير ومضيء بالإنكليزية HELLY، فيالها من كلمة ضرورية تافهة غير مؤثرة! لو قيل لرجل باللغة الألمانية أن يذهب إلى حيث تشير الكلمة، فهل ينتاب كرامته شعور بالإهانة؟
بعد هذا الإسهاب في تبيان رذائل هذه اللغة، سأتجه الآن لمهمة الكشف عن فضائلها بكل بهجة. أولى الفضائل هي بداية كل اسم بحرف كبير „Capital“ والتي سبق أن اشرت إليها في مكان آخر من هذا المقال، ولكن في رأيي أن فضيلة أخرى تتقدم على هذه الفضيلة، وهي كتابة الكلمة بموجب طريقة لفظها (دون الخروج عن هذه القاعدة). فبعد درس قصير في تعلم حروف الهجاء، بوسع متعلم هذه اللغة أن يلفظ ويكتب الكلمة التي يسمعها دون أن يضطر للسؤال عن هجائها. فيما يتوجب على متعلم اللغة أن يسألنا كيف تكتب حروف B, O, W,؟ وسيتحتم علينا أن نجيب“ ليس بوسع أحد أن يعرف كيف تلفظ هذه الحروف حين تكتب منفردة. يمكنك معرفة لفظ وهجاء الحرف من خلال قراءته في سياق كلمته ومعرفة معناها، كأن تكون شيئا لرمي السهام، أو إيماءة رأس أحدهم، أم مقدمة أو مؤخرة قارب“.
هناك كلمات ألمانية تقف قوية وهي منفردة، ومنها على سبيل المثال، تلك التي تصف حياة المنزل الهانئة الوادعة اللطيفة، ومثلها تلك المعاني التي تختص بالحب، في كل أشكالها، ابتداء من التعاطف الودود البسيط، مروراً بالأمانة في التعامل مع الآخرين وخاصة الغرباء العابرين، وصولاً إلى الكياسة. ويصدق الأمر أيضا على الكلمات التي تصف جزئيات الطبيعة خارج المناطق المبنية، بعناصرها الأكثر رقة ونعومة، كالمروج والغابات والطيور والزهور والعطور ونور الشمس في الصيف ونور القمر في ليالي الشتاء الهادئة. وباختصار، نحن نتحدث عن كل الكلمات التي تصف اشكال الاستراحة والدعة والطمأنينة، كما يشمل ذلك الكلمات التي تتعامل مع المخلوقات، وروائع الخيال.
كما تختص الكلمات المشار إليها بشكل خاص، بالتعبير عن الانفعالات، وهنا يتجلى بوضوح ثراء هذه اللغة وقدراتها على التأثير. هناك أغانٍ ألمانية يمكنها أن تدفع أي غريب يستمع إليها إلى البكاء حتى لو لم يفهم كلمة واحدة مما تقول. وهذا يظهر صحة قوة الأصوات في هذه اللغة، فهي تتناغم مع المعاني بدقة التعبير، والكلام هنا عن التعبير الصوتي، حيث تصل المعلومة أذن السامع ومن خلال الأذن تتسرب إلى قلبه.
ولا يخشى الألمان من إعادة استخدام الكلمة حين تكون في مكانها الصحيح، بل يعيدونها مراراً وتكراراً لو رغبوا بتأكيد المعنى. وهذا الأمر لا يخلو من حكمة، أما في الإنكليزية فإن استخدامنا لكلمة ما لأكثر من مرة في فقرة واحدة يثير في وعينا هاجس أننا قد سقطنا في فخ الحشو اللغوي، فيدفعنا ضعفنا إلى استبدال الكلمة بأخرى تقارب الدقة في المعنى ولا تحققها، في مسعى للهروب مما نتخيله عيباً أكبر. نعم، قد يكون التكرار سيئاً، لكن عدم الدقة في التعبير أسوأ منه بكثير.
***
في العالم نوع من الناس، يتجشمون عناء كشف الأخطاء في أحد الأديان أو إحدى اللغات، دون أن يكلفوا أنفسهم مشقة اقتراح أي حلول لإزالة تلكم الأخطاء. أنا شخصياً لست من هذا النوع، فقد كشفت فيما تقدم أن اللغة الألمانية بحاجة إلى إصلاح، وها أنا أبدى استعدادي لتحقيق هذا الإصلاح من خلال مقترحات بناءة. وقد يبدو هذا النهج في سياق آخر غير متواضع، لكني والحق أقول قد كرست 9 أسابيع، أولاً وآخراً، لإجراء دراسة نقدية شاملة لهذا اللسان، وبهذا قد أحرزت ثقة في قدرتي على إصلاحه، وهو أمر ما كانت ستفرضه عليّ محظ ثقافة سطحية.
في المقام الأول، سأتخلى عن حالة Dative. فهي تربك الجموع، علاوة على أن أحداً لا يعرف بالضبط متى يدخل في حالة Dative، ما لم يكتشف ذلك بالصدفة، وحينها لن يعرف متى أو كيف دخل هذه الحالة وكم سيلبث فيها ومتى سيغادرها قط. حالة Dative هي مجرد حماقة تجميلية، والخير في التخلي عنها.
في المقام التالي، سأعيد الفعل إلى مقدمة الكلام، وقد يعترض القارئ أن الفعل بوضعه الحالي ممتاز، لكن المشكلة في الترتيب الحالي باللغة الألمانية هي أن الفاعل لا يسير في موقع الفعل دائماً، بل أن الفاعل يعيق الفعل غالباً في هذا الترتيب. لذا أصرّ على أنه من أجزاء الكلام المهمة، ولابد من المجيء به إلى مقدمة الكلام حيث تتمكن العين المجردة من تشخيصه دون مشقة.
ثالثاً، سأستورد من اللغة الإنكليزية بضع كلمات قوية، لأداء القسم، ولاستعمالها في وصف كل الأشياء القوية بطريقة قوية.
رابعاً، سأعيد ترتيب الأجناس، وسأصنفها طبقاً لإرادة خالقها. هذا جزء من فرض الاحترام، إن تجرد من أي قيمة أخرى.
خامساً، سأتخلص من تركيب الكلمات الطويل جداً، أو سأطلب من المتكلم أن يقدمها منفصلة في أجزاء، مع بعض الفواصل بينها لترطيب الجمل. أفضل الحلول طبعاً هو التخلص نهائيا من تركيب الكلمات بإضافتها إلى بعض، لأن الأفكار تتبلور بشكل أوضح حين تصل للمتلقي قائمة بذاتها دون إدماج أو ادغام. فالغذاء الفكري، حاله حال أيّ غذاء آخر، يلذ تناوله بالملعقة وليس بالمجرفة!
سادساً، سأطالب المتكلم بالتوقف حين ينتهي من قوله، وأن يتخلى عن تلك الاستطرادات غير المجدية من قبيل „ haven sind gewesen gehabt haben geworden seins» الخ.. الخ من البلاغيات العقيمة. هذا النوع من الزخارف يسيء إلى كرامة اللغة، عوضاً عن اضافته جمالاً لها. إنها في الحقيقة إساءة، ولابد من التخلي عنها.
سابعاً، سأتخلى عن الهمازات والأقواس، وهكذا (الهمازات بضمنها همازات مقوسة وأقواس مهمزة وهمازات وأقواس ...الخ الخ ))))) حتى أقضي على فن التقويس الملكي الذي يعم هذه اللغة. سأطلب من كل فرد، سواء كان رفيع القدر أم سافله، أن يعرض حكايته مباشرة بوضوح، وإلا فإن عليه أن يبرمها في لفة، ويجلس عليها محافظاً على هدوئه. عقوبة من يخالف هذا القانون ستصل إلى الموت.
ثامناً وأخيراً، سأحتفظ بكلمتي ZUG وSCHLAG وما يتعلق بهما من تراكيب، وسأتخلص من كل باقي المفردات، فهذا سيبسط اللغة.
وبهذا عرضتُ في هذا المقام أهم التغييرات الضرورية والمهمة، وهي كل ما كان بوسعي عرضه مجاناً، لكن هناك مقترحات أخرى سأتقدم بها حتماً لو أثمر ما كتبته هنا، فجعلني موظفاً، معيناً بشكل رسمي عن طريق الحكومة، لإتمام مهمة إصلاح اللغة.
من خلال دراساتي في علم الصوت واللغة أدركت أن الشخص الألمعي بوسعه أن يتعلم الإنكليزية (باستثناء الهجاء والتلفظ) في 30 ساعة، والفرنسية في 30 يوماً، والألمانية في 30 سنة. لذا يبدو جلياً أن اللسان الأخير المذكور لابد من تهذيبه واصلاحه.
فإذا قُضي أن تبقى هذه اللغة كما هي، فسوف يتحتم اقصاؤها وتصنيفها ضمن اللغات الميتة، لأن الأموات وحدهم يملكون الوقت اللازم لتعلمها.



المشاركة السابقة