جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » جماليات


أَجسادُ زها حَديد


محمود عوّاد 
 يَنحَدِرُ الشكلُ الإستِطيقي للمادَّةِ مِن تَرسيمِ حدودِ المُـبادلةِ بَيــْنَ جُـمودِ المَعـنى وتحريكِهِ حاسيّاً عَبرَ مَرايا المُؤالفةِ والتــَّنديدِ في آن. مُـبَلـوِرًا إِيقاعًا يذهبُ نحوَ تحريرِ العَـــملِ الفنــّي مِنَ التَّلقي العابرِ،ليدخلَ في دائرةِ الخطرِ،
أَي استدعاءُ الشكلِ بالتَّمِدُّدِ نَحوَ ديونيزوسيَّةِ الاحْتفاءِ الفلسفيِّ، المرحلةُ التي يكونُ فيها العملُ الفنيُّ عرضةً لثنائيَّةِ المِخيالِ، وأَعني الإِنوجادَ بينَ محكيّ العربدةِ والتسليمِ. المقامُ الذي يمنحُ الشكلَ اغتــذاءَ الحركةِ بفلسفةِ الحركةِ نَفسها، أَي استفزازُ الحـاسَّةِ بمخياليَّةِ التخطي المُنبثقِ مِنْ زمنِ الرَّغبةِ الدلوزيَّة. 
في هذا الإطار نرى أَنَّ قيمةَ العـملِ الفنيِّ تكـــمنُ في تفعيلِ دورِ الــــزَّمنِ من خلالِ تبنّي ضرورةِ العبورِ مِنَ الانطفاءِ الجُزئيِّ المُتمثلِ بإِرجاءِ الفعـلِ إِلى الاشتـــالِ الكليّ المُتــأَتّي مِن انفعالِ الزمنِ في ضرورةِ تخليصِ الحاسّةِ من كسلِها ومنحِها صفةَ الزمنِ بوساطةِ المخيال. والأَخـــــيرُ هو الّذي يُحدِّدُ زَمـنَ الحاسَّةِ وَمَدى حيويّةِ الفِعلِ لديها، خصوصًا إِذا كانَ المحسوسُ يندرجُ تحتَ مفهومِ فنونِ الحركةِ الساكنةِ كالتَّشكيلِ والعِمارة. 
هذا التَلاسِنُ  المباهجيُّ هو عالمٌ لحــظيٌّ ينطلقُ مــــن بواعثَ السِّحـــرِ المُنفلتِ من نظامِ التفكيرِ المُتصالبِ بترحيلِ هذه المباهجَ التي نسعى لاستتباعِ سبيلِها، والتي في تلمُّـــــسِ أَثرِها يتحوَّلُ المِخيالُ إِلى فكرٍ نسّاءَ يتأَبّى عَلى العقلِ بلوغَ عالمِهِ، لكَوْنِهِ ينبثـقُ مِنَ الحاسَّةِ إِلى مُحاولَةِ مَوتِها التي يقترِنُ بِها الانجماعُ المُباغَتُ للأَشياءِ والإِنســانِ معًا، وهذه هي معالمُ الجنونِ الهاربِ مِنَ التَّوافُقي إِلى الإِشكالي في اســـتزراعِ تربةِ الفـــكرِ الجَماليِّ بِسؤالٍ يَنبغي إِثارتُه، هل العمارةُ فنٌّ نحتيٌّ أَم هو عِلمٌ هندسيٌّ يـغترفُ من منابعِ التشــــكيلِ مياهَهُ الصـــوريَّةُ التي دخلتْ في ما بعدَ الحداثةِ عالمَ الهجنةِ الشكليَّةِ، وتوكّدَ هـــــذا في أَعمالِ زها حديد، لكونِها جعــلتْ مِنَ الشكلِ البصريِّ فِعلًا جماليّاً، في تبنّيها تحريرَ البناءِ المِعماريِّ  مِنَ الحَتميِّ الذي هو عِلمُ الهندسةِ القائمِ على تحديدِ وظائفيَّةِ الشكلِ إِلى الاحْتـــماليّ البصريِّ، والأَخيرُ ترجيحٌ للفنيِّ على الهندسيِّ، أَي هي تعملُ على انتاجِ عملٍ فنيٍّ وليسَ بناءاتِ وظيفة. وعلى ضـــــــوءِ ذلك جاءَتْ أَعمالُها متاخمةً للفكرِ والفنِّ بشعريَّةِ الجَسَدِ الأُنوثيِّ وإِعادةِ انتاجِهِ برغبةِ المُتأَمِّلِ الإيروسي لعــبقريَّةِ تضاريسِه، حيثُ تعاملتْ مَعَ المادَّةِ بسيولةٍ نادرةٍ تتـمدَّدُ فاتحةً أُفقَ الرُّؤْيا لاستقــــبالِ أَشكالٍ مستمَدَّةٍ مِــن تحفيزِها للشكلِ بفهمٍّ جسداني الحضورِ، وفي هذا توكـــــــيدٌ على تبنّيها معاودةَ دولوز وتفكيكَ دريدا في آن، فالأُولى تكمنُ في توسيعِ دائرةِ الرغبةِ في تجديدِ الفهمِ المعماري بانفلاتٍ نحوَ المبتَكرِ بقراءَةٍ جذموريَّةٍ محايثةٍ لتحولاتِ العصرِ بمُضاعفةِ الاغـــتذاءِ من حيويَّةِ الجِسمِ المُفكّكِ للمرحلةِ وفي هذا منحًا دريديّاً. 
يعترضُ تطويرُ الشكلِ المعماريِّ العديدُ من المعــيقاتِ منها أَنَ فنَّ العــمارةِ ينتَسِبُ لمفهومِ الذاكرةِ الحيويَّةِ، لكونِهِ جَمَعَ بينَ قِدَمِ الأَمكنةِ بحداثةِ الزمنِ، ما يجـــــعلُ التجديدَ في هـــذا النوعِ من الفــــنونِ يُعَدُّ مِن الرِّهاناتِ الخاسرةِ مُسبَّقاً، ليسَ كَما يحدثُِ في ضُروبِ الفنونِ الأُخرى، علاوةً على ذلك يُعَدُّ فنُّ العِمارةِ راوٍ ذو لســانين وتأخذُ حكايتُه على مَحْمَلِ الجَدِّ دائمًا. فهو يتكلَّمُ عن الزمنِ بلسانِ الأَمكنةِ وبالعكس. كما وأَنَّ الوثوقَ بســــرديّاتِ العِمارةِ مُتأَتٍ مِن أَنَّ كُلَّ بنايةٍ هي وثيقةٌ تاريخيَّةٌ (1) ، نفـــهمُ من هذا أَنَّها لسانٌ زمنيٌّ يُتْقِنُ لغةَ الحــــــواسِ الكــامنةِ في جسدِ الأمكنةِ، وبذا تكونُ كالــــجسدِ الذي هو وثيقةٌ اجتماعيَّةٌ بِحَسَبِ ميرلوبونتي، إِذن تطــابقُه مع البـُعدِ الابتكاريِّ للمعاودةِ الــــدولوزيَّةِ يحـتاجُ لسقفٍ عالٍ مِنَ الغــيابِ والحضورِ التنــديدي . 
إِنَّ سؤالَ العمارةِ لدى حـــــديد هو تعظيمٌ لجسدٍ صيــروري فهي تنـفلتُ من المادةِ إِلى الأَحــيازِ، بمعنى أَنَّها تُغامرُ في تحريكِ التلقي المألـــــــوفِ بأَجسادٍ تتحركُ في فضاءِ السؤالِ عن زمنيَّةِ هذه الأَشكال. إِنَّها ترى في عمـــارةِ العولمةِ سؤالاً سائلاً في تنظيفِ بشرةِ المُدنِ جــــسديّاً، ربَّما أَرادت توكيدِ ذكوريّةِ الاســـتهلاكِ، ما دعاها إِلى المُواجهةِ بعــمارةٍ سائلةٍ مهمتُها (أَدرمةُ) الســــواكِنِ بسيولةٍ تنهلُ من باومان ثقافةَ  أيديـولوجيَّةِ الاستهلاكِ فقط، أَمّا سيولتَها الشكليَّة فتـــتجلى في تخطيها الحركةِ المنطقيَّةِ في اعتمادِها الايقاعِ الدرامي الشكلي للإِنسان. لأَنَّها تـــرى في العــمارةِ أَكثرَ من مجرَّدِ تعليقٍ على الحالةِ الإنسانيَّةِ،فمع الحربِ والسلامِ والحُبِّ والموتِ والوباءِ والولادةِ والغيضِ والنكباتِ والهواءِ الذي نتنفسُهُ،أَنها هي الحالةُ الإِنسانية(2). 
بيّنتْ عوالمُها البصريّة رغبتَها في خلقِ أَجسادَ موازيةٍ فكريًا وبصريًا لشواش العولمةِ، وتكـونُ في الوقتِ نفسِهِ مباطِنةً لإيقاعِ الأَثرِ الفكريِّ الناجمِ عـن فهمٍ فلسفيٍّ لحركةِ العمارةِ على أَرضيَّةِ فكرِ القرنِ الواحدِ والعشرين المليءِ بنظريّاتِ الانفجارِ الثقافي، وليسَ سوى الجسدِ بمستطاعِهِ الدخولَ في صراعٍ كوسموبوليتيٍّ حيثُ الهوياتُ تتقافرُ باتجاهِ الامحاءِ الفرجوي.لأَنَّ العمارةَ الحديثةَ من الناحيةِ الأيديولوجيَّةِ، بدونِ أُسلــــوبٍ بحسبِ تشارلز جنكس فيخالُ المشاهــدُ نفسَهُ في عرضٍ لبصريّاتٍ مسرحيَّةٍ تتحركُ فوقَ خشبةِ الفكرِ والجمالِ.
والمسرحُ في أُصولِهِ هو الفكرةُ في الجسد(3) ، وكلَّما تماهتْ حديد في جســـدنةِ العـمارةِ لوَّحَ بيدِها منديلُ عُطَيْلَ، وفي ذلك إِشارةٌ لخيانةِ السلفِ المحلّيِّ والعالميّ.  
لم تكتفِ زها حديد بتمييعِ الشـكلِ المعماريِّ، وإِعطاءِه صفةَ المعاصرةِ، بل ذهبتْ أَبعدَ مــن ذلكَ حيثُ تجديدِ مسارِ الرؤْيةِ من المشاهدةِ إِلى الفرجةِ،أَي أَنَّها أَضفتْ على الشكلِ المعماريِّ صبــــغةَ الأَدرمةِ، وبهذا تكونُ قد انتقلتْ مِنَ التصميمِ إِلى التأْليفِ المعماريِّ،ربَّما تجدُه وهذا ما تُشيرُ إِليهِ أَعمالُها بأَنَّ الفضـاءَ وليس المكان بجاجةٍ لمنْ يؤَلِّفُ عالمَهُ وليسَ لمنْ يجعلُ منهُ بنايةً جامدةً، لأنّها تُصعد من حيوية المكان الفراغي ،المُستمد طاقتهُ من كتابة المكان في تكثيف الاشتغال على “الفضاء الذي هو ليس مكاناً لكنه علاقة مع المكان”(4)ويعتمدُ التأْليفُ على الزمنِ وحتى وإِن استدعى المكانَ فيكونُ بصفةِ حكّاءٍ ذاكراتي،من خلالِ تكثيفِ الاشتــغالِ على ثنائيَّةِ الحركةِ (الزمن ــ الجسد) باعتبارِ أَنَّ الإيقاعَ الدراميَّ لايتوافرُ إِلّا في استبطانِ عوالمَ هذه الثنائِيَّةِ،وفي هذا انتقالٌ منَ السكونِ إِلى الحركةِ، لأَنَّ الفرجةَ قائمةٌ على الفعلِ، سيَّما وهي تشتغلُ ضمنَ فضاءٍ زمنيٍّ قائمٍ على الـزوالِ والمحوِ، لذا يمكــنُ القولُ أَنَّ عمارةَ زها حـديد هي جسدُ لفضاءاتِ العصرِ وقد جمعَ بينَ سديمةِ الشِّعرِ وفلسفةِ الشكل . “فما قدمته من عقل مختلف يُنتــج رؤيةً مغايرةً للعمارة ونظــم كتابتها ،يذهب بعيداً عن تكرار مبادئ الأعمال السابقة ،يُزيج الوقائع عن واقعيتها ووقائعيتها، ويقصد بها إلى اقتراح ما هو مختلف وضاج بالخيال والحلم “ (5).
إِنَّ في فرجاتِ زها حديد نزوعًا نحوَ تلصُّصيَّةٍ عاليةِ الإيقاعِ، إِذ لا يقتــــصرُ دورُ البِــناياتِ على كونِها مكانًا لحركةِ الإِنسانِ وإِنَّما البناياتِ ممثلون ذو أَطرافٍ ثقيلةٍ نوعًا ما(6)، كذلكَ عـــمدتْ في أَعمالٍ كثـيرةٍ إِلى توسيعِ دائرةِ السؤالِ الإيروتيكي،فيصدمُ المتفرجَ للجرأَةِ الواضحةِ في تكوينِها لهذا العمل، وبذا تكونُ قد تخطَّتْ ملامحَ (العمارةِ الذكوريَّةِ) التي خصَّها الباحثُ الجماليُّ شاكر لعيبي بمؤلفٍ خاصٍ، متجـــــاوزةً فكرةَ العمارةِ الأُنثويَّةِ إِلى عمارةٍ فرجيَّةٍ، ويبدو ذلكَ جليّاً في عملِها (ملعبُ نادي الوكرة في الدوحة،ومطار بكين في الصين)،فهل أَرادتْ بهكذا أَعمالَ تخليصَ العمارةِ من شكلِها الاحتشامي، والذهابَ بها إِلى أَقاصي الّلـــذةِ التي ستعيدُها إِلى فضــاءاتِ الفنِّ والدهشةِ بعدَ أَن تَحوَّلتْ لبنايةٍ مقموعةٍ وعاجزةٍ عن تأْديةِ دورِها الفـــكريِّ والجماليِّ، ويمـــكنُ التَّخلي عنها متى ما انتفتْ الحاجةُ إِليها.  
يجيءُ الطابعُ الدراميُّ لعمارةِ زها حــــديد من تموُّجاتِ الجسدِ الَّذي بدورِهِ يعملُ على ترغيبِ المكانِ على الانتقالِ من الذاكرةِ المعماريَّةِ المُنبــثقةِ من العلومِ الهندسيَّةَ، إِلى ذاكرةٍ سائلةٍ تأْتي من الفعلِ لتنـتهي بهِ، وهـذِهِ مهمةٌ من مهماتِ الجسدِ المنـــــوطِ بهِ استدراجَ المكانِ وتوطينِهِ في سدمِ الحواسِ قبلَ المنطقِ .لكونِ العمارةُ  الحديثةُ زمنيَّةً أَكـــــثرَ منها مكانيةً، والزمنُ فيــها هو من سيقودُ  انتماءَنا المقبلَ للمدينةِ وليـسَ المكانُ(7). في حـينِ تأْتي مكانيّـــــــَتُها من لحظةِ استدعاءِ الإِنسانِ للقاءِ بزمنِهِ، بمعنى أَنَّها تضطلعُ بمهمةٍ  تماكنيةٍ، وهنا يتـــــــوافرُ لدى المُتفرجِ شعورٌ بملامستِهِ لمكانٍ رَيْبي، إِذن هي مكانٌ جذموري وليستْ ذاكرتي لأَنَّها لا تُحيل إِلى مشهدِ حركتِها داخلَ مخيالِ المُتفرجِ، وفي هذا تحريرُ المدينةِ وتحويلها إِلى فضاءٍ فنيٍّ، هذا الإِصرارُ على تحقيقِ الأَفضنةِ مَنَحَ أَشـكالَ زها حديد حضورًا شعريّاً.ذلك لأَنَّ الشِّعرَ هو الفضاءُ الفكريُّ والفنيُّ للَّغة. 
لا تحتاجُ عمارةُ زها حديد لمتلقٍّ مشاهدٍ، إِنَّما هي بحــــاجةٍ لعينٍ دراميَّةٍ تؤلِّفُ الشكلَ بحركةٍ جسديَّةٍ تعــــــبرُ بالشكلِ من الكتلةِ إِلى التمثيلِ الذي سيمنحُ الشكلَ إيقاعًا فنــيّاً داخليّاً موازِيًا  لاشتباكِها البصري، وهذا مُتَأَتٍ من دخولِها حيِّزَ الفعلِ الناجمِ في سعيٍ منها للإنوجادِ التمثيلي، لتنقتلَ بذلكَ من الفضاءِ إِلى الزمن. 
يختبرُ الزمنُ نشاطَهُ بتوافرِ جسدٍ مسترفدٍ من الحركةِ السريَّةِ للزمنِ وهو يتعقبُ أَثرَهُ في الأَشـياءِ قبلَ الإِنسانِ، راصدًا عبورَه المرآوي من خلالِ تأْجيجِ الخلافِ بينَ الجسدِ ومــــــقامِهِ الاجتماعيِّ والسياسيِّ، ذلك لأَنَّ الفكرَ يعملُ على بذرِ الجســــــدِ بالنميمةِ، ويتجلّى هذا الأَثرُ في اشتغالاتِ حديد المُستفزةِ للجسدِ باستـضافةِ العينِ لمرحِ ذلك الشكلِ الذي لا يُحـــــتفى بِهِ فكريّاً وجماليّاً إِلّا بجسدٍ حاملٍ لذبذباتٍ عابرةٍ لحدودٍ ثُنائِيَّةِ التَّلقي المأَلوفِ (الرفض ـــ القبول) التي في مغادرتِها يحظى المتفرجُ بالحسِّ التأْليفي،فحركةٌ خياليَّةٌ تقابلُها حركةٌ جسديَّةٌ تُوازي لَحظةَ التخيُّلِ لدى الخالقِ البصري. 
أَينَ موقعُ المكانِ من عمارةٍ لا تنشغلُ بالأَحيازِ الماديَّةِ للأَشياءِ، بقدرِ انهمامِها في مُجـاوَزَةِ الواقعي بالافتراضي الَّذي هو سمةُ الفنونِ المعاصرةِ التي تَعتبِرُ أَنَّ فكرةَ المكانِ في الراهنِ العولمي هي تأَهبٌ زمنيٌّ، بعبارةٍ أُخرى هي تتعاطى مع المكانِ بوصفِهِ تجديدًا لفكرةِ الزمنِ نفسِه، وبذلك تكــونُ قد غادرتْ المكانَ لتدخلَ في الفضاءِ الذي هو كــــلمةٌ تجريديَّةٌ بِحَدِّ ذاتِـــها أَكثرَ من كلمةِ مكان (8) ، وكما يبــدو فإِنَّ التجـريدَ إيقاعٌ وبُعدٌ فنيٌّ ينشغلُ بتدعيمِ زمنِ الفرجةِ بمقــــترحاتٍ صوريَّةٍ، بخلافِ المكانِ الحاضنِ للصورةِ المرجأَةِ أَو التي تنتـظرُ مَنْ يُخرجُها من قفصِها، وتنشيطَ نضيدتَها بالذاكرة. وما ينطـــــبقُ على الفنِّ المعاصرِ يجري على العمارةِ الحديثة خصـــوصًا مع عمارةٍ مثلِ تأليفاتِ زها حديد، ذلك لأَن الجســـدَ في حضورِه في عملٍ ما يعملُ على (أَدرمةِ) المكانِ بالفضاءِ، لأَنَّه يتنامى في التحرُّكِ السريِّ للزمنِ،أَمّا الأَشياءَ فتكمنُ حركتُها في الاقترانِ بالجسدِ الذي سوفَ يمنحُها صفةَ الفعلِ وليسَ الجَسْدنةِ مَعَه كما يحدثُ في عوالمَ الفضاء. 
لم يحضرْ الجَسدُ في عمارةِ زها حـــديد كمُعطىً جماليّاً وفكريّاً وحسب، إِنّما حضرَ لتفعـيلِ دورِ الرّاوي البصريّ  البولوفيني، لتحريرِ الجسدِ نفسِهِ من سرديَّةِ الجســــــدِ الواحدِ، والانشطاريَّةُ ههنا منـــــبثقةٌ من اجتراحِ فُرجةٍ حِكائيَّةٍ جديدةٍ تُعلِّي من مقامِ السَّرْدِ، إِنَّ لمقاربةِ الجسدِ بعلمِ السَّرْدِ عوالمَ لا تنفكُّ تمتدُّ عروقُها في تربةِ السـؤالِ عن جدليَّةٍ سماويَّةٍ مفادُها: هل الجسدُ ساردٌ الهيّ قبلَ أَن يكونَ ساردًا اجتماعيّاً وسياسيّاً، وكيفَ يتأَسَّسُ الســـؤالُ عن علاقةِ الجسدِ بوصفِهِ حكّاءً بفنِّ العمارةِ التي هي شهرزادُ الزمكانِ في آنٍ واحدٍ، وهل يحقُّ لنا الحديـــــثُ بوجازةٍ عَن ذلك.  
في ظنّي أَنّ لقاءَهُما لا يتمُّ الّا في مبادرةٍ فكريَّةٍ تجمعُ الإِثنينِ معًا، فإِنْ عُدْنا إِلى (أَلف ليلة وليلة) نرى بأَنَّ الجـــسدَ بجنسَيْهِ هو ساردٌ مراوغٌ لأَسرارِ وحكاياتِ عمارةِ الرغبةِ، وبــــدونِه تتشظّى الحكايةُ، وتنهدمُ عمارةُِ الخَيالِ المرتكزةُ على دعامةِ سؤالِ الجسدِ المُفتِّشِ عن رغــــبةِ الكاتبِ في تشييدِ عمارتِهِ السرديَّةِ بمعزلٍ عنِ الجسدِ، وكيفَ سيكــونُ شكلُها آنذاكَ، وهل بإمكانِه تحقيقُ ذلك بدونِ جَسَد. 
ثمةُ استفهامٍ لابدَّ مِنْهُ، يكـــمنُ في استفزاز اللُّغةِ بسؤالٍ أُعِدُّه من ضروراتِ الإِبداعِ السرديِّ، هل ثمَّةُ جسدٍ ساردٍ وآخرُ غيرُ ساردٍ؟ وما  هي ملامحُ الجســــدِ السارد؟ وهل تُقام عمارةُ السَّردِ على المكانِ أَم الفضاءِ؟ في ظنّي أَنَّ لإضـفاءِ إيقاعٍ دامي على الحــــكايةِ مقرونًا بتوافرِ جسدٍ ساردٍ يجمعُ التنبُّهَ والمَكْرُ في قراءَةِ أَطراسِهِ،ذلك لأَنَّهُ كما الأَكــوانُ بحاجةٍ لقراءَةٍ لامتناهيةٍ، ومُقاربَةِ الجسدِ بعمارةِ الكوْنِ متأتٍ من تقبُّلِ فكرةِ الحضورِ والغيابِ من خلالِ تبنيهِ اللعبةَ الطرسيةَ،وفي الأَخير ترتسمُ ملامحُها بتوافرِ جسدٍ شهرزاديٍّ يُعيدُ قراءَةَ مسروداتِه على مرِّ العصر. 
إِنَّ حضورَ الجسدِ الســــاردِ في أنثروبولوجيا العولمةِ يختلفُ عن حضورِه في سردياتِ شــتراوس، وموضعُ الاختلافِ يكمنُ في أَنَّ العولمةَ تقومُ على اقتراحِ الجسدِ وليسَ تأكيدِه، إِذ لا شيءَ ثابتٌ في عالمِ مضارباتِ البورصةِ وأَسواقِ السلعِ، ما دفعَ القائمين على مراكزِ التجارةِ للأَخذِ بنظرِ الاعتبارِ زئبقيَّةَ وسيولةَ الإِنسانِ في زمنِنا، وفي هذا بُعدٌ انشطاريٌّ في لسانِ الساردِ الذي هو الجسدُ، فيبدو للقارئِ البصريِّ أَنَّنا أَمامَ امتحانٍ يَختَبرُ به المسرودُ الأَدبيُّ نظيرَه المسرودِ البصريِّ، وتجلَتْ هذه العوالمُ في ســـــردِياتِ الفنانِ القاصِّ أَنيس الرافعي لاسيَّما في كــــتابِه الموسوم (اعتقالُ الغابةِ في زجاجةٍ)، المُؤَلَّفُ الـــــــذي غادَرَ به الرافعي كليشيهاتِ الســـردِ العربيِّ، فقد استطاعَ أن يُشيِّدَ عمارتَه السرديَّةَ بثقافةٍ جســــــديَّةٍ مستقاةٍ من تشبُّعِهِ بثقافةٍ بصريَّةٍ ،من تشكيلِ وسينما عمقِها الجسد.   
عند الامعانِ في فحصِ السُلَّمِ التأليفي لعمارةِ زها حديد،نشعرُ وكأَنَّنا في حضرةِ جسدٍ راوٍ لحكايةٍ عجِزتْ اللغةُ من استكناهِ سرِّها،فلجأَ إِلى السردِ البصريِّ، ففي زمن العولمةِ كلُّ شيءٍ في الـــوجودِ يُقرأُ سرديّاً،في حينِ يضــــطلعُ الجسدُ بمُهِمَّتي التناقضِ هو الكتابةُ والــــقراءَةُ في آنٍ واحد، إِذن المسرودُ الصوريُّ لا يختلفُ في آليّاتِ السَّردِ فحسب، إِنَّما في طرائِق القراءَةِ أَيضاً ،هذا لا يعني أَنَّ الجسدَ معطَّلًا في قراءَةِ النصِّ الأَدبيِّ، إِذ لا يُستَثْمَرُ انوجادُه كما يحدثُ في قراءَةِ النصِّ الصوريِّ، لذا تكونُ حركتُه متباطِئَةً، مقارنة واندفاقه مع الجَسَدِ والعمارة. 
1. سينكلير جولدي :تذوق الفن المعماري، تر: محمد بن عبد الحسين ابراهيم،/2.  
2. ينر بانهام: عصر أساطين العمارة، تر: سعاد عبد علي مهدي،/13. 
3. آلان باديو :في مدح الحب ،تر: غادة الحلواني، / 110. 
4.شاكر لعيبي : العمارة السوريالية ،/42.
5.أسعد الأسدي : معرفة المكان ،/105.
6. تذوق الفن المعماري،/ 13. 
7. جان بورديار وجان نوفيل: الأشياء الفريدة، تر: راوية صادق، /72. 
8. مارك أوجيه: اللا أمكنة، تر: ميساء السيوفي /84 . 



المشاركة السابقة