جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » انثويات


مارينا أبراموفيتش: جسد الفنان موضوعا لعرضه


تحرير صادق الطائي
للوهلة الأولى، يبدو أن عمل مارينا أبراموفيتش (ولدت في بلغراد 1946) متوافقا مع القول القديم بأن أفضل الفن هو ما يتعلق بالذات. ومع ذلك ، كما هو الحال مع العديد من الكليشيهات الأخرى حول الفن المعاصر، فإن هذا لا يؤدي إلا إلى الحد من نطاق وثراء وأصالة هذه الفنانة التي، منذ اليوم الأول لها منذ منذ خمسة عقود، جعلت من جسدها مساحة حيوية للتجربة ومادتها الخام في ابداعها المتنوع.
أبراموفيتش نفسها هي، بشكل فعال، العمل نفسه. ولكن فقط بقدر ما يجب على المرء أن يدمج هذا المتغير في معادلة أكثر تعقيدًا، بعد التفكير في المعنى النهائي لأدائها الذي، بعد حوالي نصف قرن من الاستكشاف الإبداعي، عزز مكانتها وهويتها في خطاب ما بعد الحداثة. كشكل من أشكال الفن المرئي، والفن كفعل، فإن أدائها عبارة عن تجارب تسعى عبرها لتحديد وتجاوز حدود السيطرة على جسد الفرد، وكذلك، فيما يتعلق بالعلاقة بين الجمهور وفنان الأداء. إذا فهمنا جسدها كموضوع ووسيط في نفس الوقت، فإن سبر غور عروض أبراموفيتش التجريبية تنفصل عن الأفكار الراكدة والتقليدية المتأصلة في فهمنا الجمالي المعتاد، وبالتالي فأن اعمالها توسع حدود الهيكلية الحوارية لأي قطعة فنية.
تتضمن عروض الفنانة الصربية تبادلًا عاطفيا فوريًا مع الجمهور، مما يجعلها آخر قطعة من المعادلة التي بدونها ستكون التجربة التحويلية للفن غير مكتملة وعبثية الى حد كبير. في هذا الصدد، علقت أبراموفيتش قائلة:” لا يمكنني أبدًا تقديم عرض خاص في المنزل، لعدم وجود جمهور هناك. كلما زاد عدد الجمهور، كان الأداء أفضل وزادت الطاقة في الفضاء. يجب على الجمهور اتخاذ خطوة تاريخية وتواصل حقيقي مع الشيء الذي أقدمه”.
الإيقاع صفر ... العرض الأشهر
منذ البداية، كان إنتاج مارينا أبراموفيتش جريئًا واستفزازيًا ومتجاوزًا لحدود التقليدية في الفن. بدأت دراستها الفنية في منتصف الستينيات في مسقط رأسها العاصمة بلغراد، وتابعت دراستها في كرواتيا وأكملتها، وعادت لتدريس الفنون الجميلة في صربيا عام 1973. حيث كانت بدايتها مع سلسلة الإيقاع الشهير (1973/1974)، مؤطرة باستكشاف جريء وخطير لفن الجسد، كانت الشابة أبراموفيتش تختبر من ناحية  حدود الجسد في مواجهة الألم والمعاناة وإيذاء الذات، ومن ناحية أخرى، تكشف عن المقاومة الأخلاقية للجمهور، إذ اشتهرت وعرفها العالم عبر تلك التجارب الشخصية للغاية لجسدها الأنثوي، إذ كانت عروضها عملاً  يعتمد جسدها كمادة للعرض.
استخدمت الاختلافات المتنوعة للإيقاع لتجسيد التفكير في موضوعات انسانية كبرى مثل الموت والألم والحزن والزمن وحدود الوعي واللاوعي، ناهيك عن الأنماط السلوكية للعقل الانساني. وبالمثل ، في (الايقاع 2)، جربت حالات متفاوتة من الوضوح وفقدان السيطرة الجسدية الناتجة عن تناول مجموعة من الحبوب المختلفة. أما في عرض (الإيقاع صفر) عملها الاشهر في السبعينات، والذي مثل أحد أكثر عروضها رمزية، وضعت مارينا أبراموفيتش نفسها، حرفيًا، تحت تصرف الجمهور. إلى جانب 72 أداة مختلفة ذات استخدامات مختلفة - بينها قلم رصاص وكاميرا بولارويد وعطور بالإضافة إلى سكاكين وسياط وسلاسل ومسدس محشو. وعرضت جسدها في عرض تفاعلي غير مقيد وغير مكتوب مع الجمهور في قاعة مورا في نابولي عام 1974.
تمت دعوة الزوار لإختيار أي من الآلات الموجودة واستخدامها على جسد الفنانة بالطريقة التي تبدو أكثر إثارة للاهتمام بالنسبة لهم. وهكذا بدأ ما كان يُقصد به أن يكون انعكاسًا للثقة وفهما للعقد الاجتماعي، وانتهى به الأمر إلى أن يكون دليلًا ملموسًا على ميل الإنسان الطبيعي نحو العنف. تعلق مارينا ابراموفيتش على عرض “الايقاع صفر” بقولها:” ما تعلمته هو أنك إذا سمحت للجمهور بإتخاذ القرار، فيمكنهم قتلك. شعرت بالهجوم حقًا، لقد قطعوا ملابسي ، وكشطوا أشواك الورد في بطني، ووجه شخص مسدسا محشوا لرأسي قبل أن يأخذه منه شخص آخر ليمنع ارتكاب جريمة كانت ستحدث”. إن صمت أبراموفيتش وعدم رد فعلها يعني السماح للعنف أن يتصاعد بسرعة وبشكل كبير. إذ تضيف “بعد ست ساعات بالضبط ، كما كان مخططًا للعرض، نهضت وبدأت في السير نحو الجمهور. لقد أصيبوا جميعًا بالخوف، وتجنبوا مواجهة حقيقية مع المرأة التي أساؤوا لها”.
الاعمال اللاحقة
يدين التطور اللاحق في عمل مارينا أبراموفيتش بالكثير لسماتها الشخصية المتمثلة في الشمولية واستعدادها للانفتاح على الآخرين، بطريقة ما، فهي تمتلك إمكانيات غير محدودة. على عكس المفهوم الاحادي للهوية الفنية الواحدة، أي تعريف الفنان، الفرد الذي يركز على كل عمل كمشروع فردي. تتحدى أبراموفيتش نفسها دائمًا لبناء تفاعلات عاطفية مع الأطراف الثانية ومع نفسها كمنتج/ مخرج .
جاء الدليل على ذلك في نهاية السبعينيات عندما تمحور إنتاجها الفني حول مظهر مزدوج غير قابل للتصنيف لفنها في ارتباط الإنتاج الفني والعاطفي مع عشيقها الذي قدمت معه العديد من العروض، الفنان والمصور الألماني(Uwe Laysiepen) المعروف باسم أولاي. إذ قدما سلسلة عروض بعنوان “الآخر”، قامت أبراموفيتش وأولاي بأداء العديد من الأعمال الأدائية كثنائي حيث خلقا بجسديهما نوعا من التزامن بأنماط سلوكية متماثلة، سواء أكانا يرتديان ملابسهما،أو كانا عاريين. كما أوجدا طرقًا إضافية للتفاعل مع الجمهور استنادًا لعلاقة مهنية وعاطفية من الثقة المطلقة، إذ أحبا كلاهما التحدث عن “وحدة متداخلة” تجسد أفعالها بحدود العلاقات الشخصية وتأثيرها على الـ”أنا”، لكنها في نفس الوقت تبرز علاقة الأنا بالاخر عبر تجسيد الشخصيات الفنية. يتضح هذا تمامًا في عرض (Relation in Time) عام 1977 ، أحد أوائل عروضهما المشتركة، حيث يرمز هذا الاتحاد الخنثوي بشعرهما المتشابك بإحكام.
كما  أنتج تعاونهما مشاريع أكثر خطورة ، وفي الواقع صعبة، مثل عرض (Imponderabilia)، حيث وقفت أبراموفيتش وأولاي في مواجهة بعضهما البعض، عاريان تمامًا، في ممر ضيق عند مدخل المتحف ، مما أجبر الزوار على المرور بانضغاط بين جسديهما العاريان. وكان الأداء المشترك الآخر المقنع بنفس القدر هو (A-AAA) عام 1978 حيث صرخ كلا الفنانين على بعضهما البعض في عرض قوي للقوة، صمم لتحديد من لديه الصوت الأكثر سيطرة.
ومن عروضهما الاكثر شهرة Rest Energy)) عام 1980، حيث واجه الزوجان بعضهما البعض، وبقيا متاقابلين لساعات، ممسكين القوس بينهما والسهم بين أصابع أولاي موجه مباشرة إلى قلب أبراموفيتش. كانت القوة والقدرة على التحمل اللازمتين لكليهما للحفاظ على التوتر ومنع إطلاق السهم واضحة خلال الأداء بأكمله، وقد سجلت الميكروفونات نبضات قلبهما، التي كانت متسارعة ومضطربة، وهو مظهر واضح لحالة الضعف التي يمكن أن تصل حد الانهيار وفقدان القدرة على التحكم بأصبع اولاي في أي لحظة.
كانت سلسلة أعمال “الآخر” رومانسية عاطفية وتحوي قدرا من التعاون الفني بين ابراموفيتش واولاي ، لكنهما قدما خاتمة رمزية لهذه العلاقة واختارا لها مسرحا شهيرا عام 1988. هنا أيضًا ، تم تقديم تمزقهما العاطفي وانفصالهما المهني كعمل فني، تم تصويره على أنه نزهة ذهب لها كل منها بمفرده، حيث ابتعدا عن بعضهما مشيا على سور الصين العظيم حتى التقيا مرة أخرى في المنتصف. مسيرة ثلاثة أشهر طويلة بلغت ذروتها في احتضان أخير. إنه وداع جسدي واتصال اخير تقريبًا ، ومحاولة لتفكيك علاقتهما عن طريق الإرهاق الجسدي والعاطفي الناجم عن رحلة لقطع 2000 كيلومتر سيرًا على الأقدام. يمكن أن يطلق عليها بطريقة ما نهاية رومانسية: إنها نهاية غير قابلة للتصنيف وغير تقليدية ومشحونة عاطفياً بالتصوف.
يمكن تعريف إعادة اختراع أبراموفيتش اللاحقة لنفسها كفنانة متفردة على أنها نقطة التحول الحاسمة في حياتها المهنية، تخللتها الرحلات الطويلة إلى الخارج ، البرازيل على سبيل المثال ، كل ذلك أدى إلى انبعاث إبداعي في عقد التسعينيات مما أكد أن حياتها وفنها لا ينفصلان عن بعضهما ويمثلان لحمة حقيقية لجميع إنتاجاتها المستقبلية. وهكذا ، على الرغم من أن الجسد سيستمر في لعب دور لا يمكن إنكاره ، فقد تطورت العروض إلى مساحات مخصصة لتحرير شياطينها الشخصية، الكامنة أو غير ذلك ، بالإضافة إلى أشكال جديدة من الأداء كوسيلة لاستكشاف كيفية ارتباطنا بالواقع .
ويمكننا الحديث عن مرحلة التسعينات في اعمال مارينا ابراموفيتش، أذ عملت على تركيبات نحتية حددتها بنفسها عبر دمج المواد الطبيعية مثل العظام والأحجار شبه الكريمة والمغناطيس والمعادن في أعمالها التي لم تكن مارينا ابراموفيتش تتطلع لمنحها وظيفة ما كما لو كانت منحوتات، بل كانت تستخدمها لتوليد الخبرات والطاقات كما لو كانت نوعا من طقوس الحياة اليومية التي على المرء ان يمارسها. أما المرحلة الثانية من اعمال مارينا ابراموفيتش في التسعينات (1990 – 1994) فهي سلسلة “رأس التنين” حيث جلست فيها الفنانة بهدوء وسكينة في حين كانت  هنالك ثعابين مفترسة لم تأكل لمدة أسبوعين تنزلق على جميع أنحاء جسدها، إذ قدمت عبر عملها تمثيلا خطيرا وقويا للصورة الاسطورية للانثى .
أما عملها الأكثر إثارة للدهشة، بالنظر لكم العنف الذي احتواه فكان الفيلم السينمائي (Balkan Baroque) الذي انتج عام 1997، والذي قدمته مارينا ابراموفيتش بالتعاون مع المخرج الفرنسي الطليعي بيير كوليبوف، وقد فاز الفيلم بجائزة الأسد الذهبي في مهرجان فينسيا لذلك العام. التوسع في موضوع استخدام العظام فنيا الذي قدمته ابراموفيتش سابقًا في عرضها “تنظيف المرآة” (1995) ، عادت له مرة اخرى في عمل فيديو أعاد تقديم الرعب المتعفن للنزاع المسلح في حرب البلقان.  إذ وضعت الفنانة نفسها في منتصف مساحة، وهي تغسل كومة ضخمة مكونة من 1500 قطعة من عظام العجل الخام، ووضعت صورة والديها على أحد الجدران، بينما كانت تغني الأغاني الشعبية الصربية التقليدية التي تعلمتها في طفولتها. لا شك في أن العرض الدرامي كان يدين بالكثير للباروك المفاهيمي لتصميمها، لكنها منحته أيضًا وزنًا سياسيًا ذو مصداقية.
أن الاعتراف بمكانة مارينا أبراموفيتش كفنانة لا يمكن دحضه في مطلع الالفية بالرغم من إن مشاركتها النشطة في الأعمال المختلفة أصبحت ضئيلة جدًا لدرجة أنها تكاد تكون مجرد استمرار لحياة وفن  مارينا أبراموفيتش السابقة، لكنها ما زالت تعمل على رفع روح الجمهور ليس فقط عن طريق مفاجأة الأداء، والصدمة العاطفية المباشرة بل عبر آليات إعطاء المزيد من الطاقة في اعمال تعتمد التأمل الصامت والنشوة، وكذلك الوعي الكامن في إنشاء نوع من الأعمال الفنية التي تكاد تكون خالية من المحتوى ولكنها لا تزال تحتفظ بنوع من الطاقة النقية التي ستترك روح المشاهد محلقة، بحسب الوصف الذي قدمته مارينا ابراموفيتش في مقابلتها الصحفية التي أجراها معها كلاوس بيسينباخ عام 2008.
ويمكننا القول إن مارينا ابراموفيتش ستبقى طويلا في ذاكرة جمهورها، إذ قدمت قطعة أداء مرهقة في آذار/مارس 2010 بمناسبة معرض (MoMa) والذي لا يزال حتى الآن الأهم على الإطلاق ومع أكثر من 50 قطعة معروضة بما في ذلك العروض، تركيب صور، فيديوات ، ظلت أبراموفيتش جالسة في بهو متحف نيويورك لأكثر من 700 ساعة (خلال ساعات العمل وبدون استراحة) مما سمح لأكثر من 1800 زائر، كل منهم بدوره، واحدًا تلو الآخر، بالجلوس أمامها في صمت تام ، مفصولة بطاولة فقط ، ومشاركة حضور الفنان الراسخ طالما اعتبروا ذلك ضروريًا.
ولكن في الوقت نفسه، لا يقل صحة أن تنوع التنسيق والطريقة التي تم فيها تقديم اعمال ابراموفيتش كان أمرًا ثابتًا، فهي تدرك مدى انتشارها العالمي المتزايد وما يجب أن تقدمه وتقوله، ولا يحتاج المرء إلى النظر إلى أبعد من تعاونها المشهود مع روبرت ويلسون في الأوبرا التجريبية (حياة وموت مارينا أبراموفيتش) التي غطت أفكارها التي هيمنت على حياتها.  كفكرة أخيرة ، قد يتساءل المرء عما إذا كانت مارينا ابراموفيتش، من خلال تركيز جهودها على مراجعة إنتاجها الغزير وفعالية رسالتها الفنية، هل رأت نفسها إلى حد ما معرضة للخطر بسبب النجاح العالمي؟. كما يطرح سؤال أخر اليوم هو : هل يمكن نقل المواضيع والمفاهيم نفسها التي  قدمتها ابراموفيتش قبل 20 أو 30 عامًا لتقدم اليوم؟ مع امكانية استثمار التغييرات في الطريقة التي يتواصل بها الفنانون مع المتلقي ومع وسائل الإعلام والمساحات المتاحة لهم الآن، ألن يكون ذلك حالة من التجارب المتميزة نوعياً؟
يعد الفن الحي المصنوع من أجساد الفنانين شكلاً فنياً ينتمي إلى تقليد سبق العصر الرقمي الذي نعيشه اليوم، ولكنه لم يتنبأ به فقد جاء بكل أحاسيسه القصيرة العمر المحملة بالمعلومات المفرطة. على أي حال، فإن التعريف التقليدي للأداء بأنه “إجراء يحدث في إطار زمني محدود” هو في حاجة ماسة إلى المراجعة. ربما يأخذ معهد مارينا أبراموفيتش(MAI) ، الذي تم افتتاحه عام 2015 في ولاية نيويورك، على عاتقه جمع الانتاج الفكري متعدد التخصصات لمراجعته وتقديم المشورة حول دور الفن التعاوني والتجريبي في المجتمع اليوم بالتركيز على إرث الفنانة الصربية باعتباره نقطة انطلاق لمارينا ابراموفيتش التي باتت تعرف بـ”سيدة الاداء” ، البالغة من العمر 70 عامًا ، والتي مازال لديها الكثير من الابداع الذي ستقدمه فما تبقى لها من العمر.



المشاركة السابقة