جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » نصوص


قصة قصيرة: كوميديا النفايات!!


شوقي كريم حسن
حدثني جدي عن عوالم متباهية بسيول الدماء وحرائق الكراهيات، دسائس الليل وخياناته التي تمجدالشرف والأخلاق ،فصرت أجاهر بكراهيتي للتأريخ لأنه سجل تافه يدون كل سفالات الحكام وجنونهم،لقاء حفنة دراهم تتحول الحقائق الى محض افتراءات،تثير الشبهات والشكوك،
ووابل من الأسئلة المغمسة بالعلقم، في أضحوكاتنا الهزلية، نتفاخر بمجد الحكام ، وإعلاناتهم السمجةعلى إنهم بناة الحضارةوصناع عجائب الأكوان ،المغالين في العظمة ،ليس كمثلهم أحداٌ جاء،ولايمكن أن يجيء،تمتلئُ آذاننا بأناشيد شعراءبلاطاتهم، تدبج الخطب وتتعالى الزغاريد حين يفكر العظيم بزيارة مرتقبة لمكان مهمل منسي ،تذكره حين جالت كاميرا التلفاز بين دروبه الغاطسة بالوحول،وصرائفه المتحاشكة ،غير المتجانسة،أقنان دجاج غاصة بصياح الإناث،وعويل الأطفال الباحثين بين أكوام الطين والسرجين والذروق كما يمكن إسكات قرقرات بطونهم المرصوعة الى الصدور مثل شكوة لبن فارغة،التأريخ سطور همجية تطالبنا بالإيمان وبناء أضرحة التقديس، وإعلاء شأن الخطايا وتبريرها)،طفولتي المشاكسة،جعلت جدي يتمسك بوقاحتي وردردي غير المتوقعة،وتفريق الأسئلة على من يود مزاحمتي(جدي الذي تجاوز الثمانين،تدوّن ذاكرته ،
الوجوه والأفعال والحكايات،التي يسميهاجذور الإنسان ودسمه الذي يجب المحافظة عليه،وتجديده كلما سنحت فرصة أو مناسبة،يخط دوائرَ وخطوطا ويرسم رايات وبيارق على ظهر إدمة القاع الرطبة ،بطرف عوجيته،التي لم يفارقها منذ نصف قرن كما يعتقد،يتلمسها بلطف،مداعباً انعقافة رأسها البارد مثل ليلة يصفها شديدة البرودة في بلاد الطليان،التي دجنت ليليها بقصص تحرك الرؤوس باتجاه الأسئلة الحادة الشديدة القسوة،ينطر ليله دون رغبة بالنسيان،تحاوطه إناث من رخام أبيضَ صافٍ،يصهلن بضحكات تشعل نيران الأفئدة الملتاعة،بغتة يرى إليها تبصره بعينين تحملان زرقة البحر واضطراب أمواجه، تتقدم بخطو ملكي، متباطئ إليه،يود النهوض،لكن الأرض تشده إلى قاعها عنوة معلنة استسلامه،  يخترق طرف العكازة المدبب،لدنة القاع
المطلقة لأنين موجع لفت الانتباه ،(لم يعد الجد الملتهب الروح،المحزم برصاص فتوته يتحمل فضائح أيامه،
ولهاث لياليه المصرة على عدم الانتهاء،
يغمض عيني غربته،مطالباً عصاه أن تدله على ماتعرف من الدروب التي أدمن نسيانها تحت ضغط سياط وجومه وترقبه /إلى ماذا تأخذك تكررات أيام انتظارك النائخة  مثل بعير مكسور الظهر،وماعساك فاعل وسط دوائر من
التحديات غير المجدية نفعاً..؟!/
—٢–
ياليل الغدر متى غدك؟ مللت الجلوس عند فراغ المحطات الموحش ،الأزمنة تمضي مسرعة دون اكتراث بما صرت عليه ،كومة وساخة تثير الاشمئزاز والقلق تمرق الخطوات ساحبة خلفها حقائب  لامعة،تتفحص هيأتك المركونة  عبثاً،تبتسم،لا شيء يشدها الى هذا الفراغ العجل سوى فتور الابتسامات، وهمهمات الاحتجاج الرافضة لمشاهد العفن الشاذة،سمعت أحدهم يحادث أنثاه التي تشبه برميل منفوخ—أوطانهم التي تتقيأ فساداً وجرائم أرسلتهم ليسهموا في صناعة الجريمةوالقاذورت
لابد من خلاص!!
قالت أنثى البرميل بلكنة ممطوطة تتصنع الرقة —لافائدة من الحديث..
نحتاح إلى فعل يخلص المدينة من أوجاعها.. بدأنا نتنفس هواء الآثام !!/.
..عثراتي تسابقها رياح صرصر عاتية.. أي الأبواب تطرق، وما الذي يمكن مصادفته، الطريق مشحون بعلامات الاستفهام المصحوبة بالريبة والشك، عند أول الأبواب توقف متأملاً أذيال صباه الخاطةفوق الشفتين الغليظتين درب زغبي لم تظهر معالم سواده بعد،يتلمس آهات مواجعه بحرقة ظل صافناً أمام جبروتها الطاغي، التيه جره صوب ذكريات ممحوة الملامح، جاهد من أجل الإبقاء على بعض من بهائها
وحبورها،لكن تلاحق أنفاسه واضطرابها
أقعداه مخذولاً،مراقباً حلق الدربونة التي نزعت ملامحها لترتدي ملامح مشوهة ،فارغة من معاني الحياة،شافه
يمر عاضاً طرف دشداشته المعلمة بلونين حائلين تثيران كراهيته وعدوانيته
أشار إليه بالتوقف، فجاءته سهام نظرات وقحة اخترقت أعماقه الجافة،الثقيلة
البوح،قال الولد-لم عدت؟
رد -أتعبني التجوال..اضمحل تحملي!!
قال الولد- لافائدة لن تجد غير حجر من
ذكريات أفسدتها رياح الأحزان!!
رد- أستطيع التحمل لابد من طريق يوصلني الى غايتي ومرامي!!
قال الولد- أدمنت خطواتك  الفشل..
رد-نعم لهذا رجعت!!
قال الولد-كومة نفايات لايحسب لها حساب!!
رد- يأسك يطفيء بقايا جذوة أمل..
دعني أجرب؟!!
قال الولد ضاحكاً-تجرب..منذ عهود اكتشافاتنا الأولى وأنت تردد هذه الكلمة مثل ببغاء ما الذي حصلت عليه..لاشيء سوى مقابر أحلامك الميتة وضياعاتك المشينة، ما أنصت لما كنت أهمس به تركتني ومضيت.وحدي واجهت مصائبي بصبرٍ وتأنٍّ،ماكان ليلي
بطراً مثل لياليك المفعمة باللذة والمجون.. ليل طويل قاس تطرزه صرخات توسل،وبكاء خافت،—هل تعرف ما الذي تعنيه طرقات الأبواب بعدمنتصف الليل، وأصوات المكبرين..
المصحوبة برشقات رصاص تومض متطايرة الى علو مثل نجوم متلألئة؟!!
هل جربت المغامرة التي تدعوك لأن تبرز رأسك من خلال فتحة الباب نصف الموارب، محاولاً اكتشاف مايحدث ..؟!!
هل…الأسئلة قيود لافكاك منها،تظل تسحلها وراءك آنة متوجعه،الى أين أمضي..والمدينة التي أعرف غدت مكباً هائلاً للنفايات الإنسانية يطالبني بالرجوع من حيث أتيت،هناك ممكن أن تجد لك ملاذاً يأوي روحك المتهالكة أما هنا فلا مأوى ،ولاشجرة في متنزه عام يمكن أن تخفيك تحت وافر ضلالها،كان مهمل منسي،ممحو الرقم،غارق في هذياناته المدافة بالدم والعلقم..هذا أنا ………..
(حدثني جدي إن الحرب القادمة …….)!!
Write to شوقي كريم حسن



المشاركة السابقة