جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » مراجعات


اللعب على أوتار الحب والدهشة والوجع


أحمد الماجد

«الملائكة أيضاً يخرجون ليلاً على باب الله»
لعلي عبدالنبي الزيدي
الدخول إلى عوالم الكاتب العراقي علي عبدالنبي الزيدي، هو بمثابة الإمساك بمشرط جراح والذهاب إلى غرفة الرغبات اللاواعية في النفس البشرية، ومن ثم استئصال أورام الأدلجة، وإزالة سموم تراكماتها وتخليصها من عقدها ومخاوفها والتباساتها وكذلك خلخلة كثير من المسلّمات المزروعة في تكوينها بحكم العرف أو العادة، حتى يتحول القارئ بعد أي نص يقرؤه للزيدي، إلى مفكر شرس ومفسر مدجج بالكثير من شائك الأسئلة من تلك التي ما يزال البحث عن أجوبتها مستمرا.!
في النص الفائز بالمركز الأول بمسابقة الكتابة المسرحية التجريبية التي أقيمت دورتها الأولى في القاهرة ضمن برامج مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي 2022، الدورة 29، والذي حمل عنوان» الملائكة أيضاً يخرجون ليلاً على باب الله»، جاءت الحكاية حول ثلاث شخصيات في سبعينيات العمر، يعرفون بعضهم البعض، ويلتقون صدفة قرب تقاطع ضوئي، يعبر منه المشاة والسيارات بانتظام كل في دوره، حيث ينطلق النص من فرضية العلاقة المتشظية واللامنطقية بين الشخصيات الثلاثة وبين المكان، تلك الشخصيات المنهكة بفعل فوضى الحياة، وما تجلبه من بؤس مؤجل، حتى ينفتح النص على حقائق ومكاشفات في لعبة درامية ثلاثية، لا تكف عن شحذ صراعاتها نحو الوصول إلى نهاية صادمة، في نص متخم بالصور الشاعرية والحوارات المكثفة المشحونة بالدلالات والمزدحمة بالبلاغات التي منحت النص الأهمية والعمق والجمال.
لا ينتمي هذا النص إلى مدرسة مسرحية بعينها، وعلى الرغم من أنه يقترب كثيراً من مسرح العبث، إلا إنه كما أراه أشبه بخليط لمدارس عدة بين لا معقول وتجريب ووجودي، أنتج من خلالها الزيدي مركّبا مسرحياً خاصا به، صار علامة فارقة نجدها في معظم نصوصه المسرحية، باعتبار أنه أدار ظهره لدروب الكتابة التقليدية، إلى تقنيات حديثة صارت أدوات الزيدي الإبداعية في الكتابة للمسرح.
في هذا النص تتشابك الشخصيات وتتشابه في نظرتها للحياة وموقفها منها، من حيث وقوعها تحت فرضية الانتظار واللاجدوى، ورغبتها الشديدة في تبرير أسباب وجودها في هذا العالم، فأي حياة هذه التي يمكن للبشرية التصالح معها، وهي لا تكف عن تدعيم لا منطقيتها بالدلائل، الأمر الذي تحول إلى وجع قهري في عالم لم يعد للإنسان معنى لوجوده فيه. على هذا النظام الكوني الذي يرى الإنسان على أنه مجرد أداة لحفظ توازن الأرض، بنى الزيدي شخصياته الثلاثة بتشابه مقصود في أبعادهم الدرامية، فشخصية سعيّد، الذي ينتظر خروج زوجته من المستشفى، هي شبيهة بشخصية وحيّد، الذي يتهيأ لإجراء مراسيم الخطوبة من حبيبته، وهي أيضا لا تختلف كثيراً عن شخصية حميّد، الذي ينتظر توقف الحرب، حيث تتشابه الشخصيات الثلاثة من كونها رغم تعلقها بالحياة إلا إنها لا تملك من أمرها شيئا، تسيرها الظروف والأحداث بلا إرادة منها. وعلى الرغم من أن هذه التركيبة الغرائبية للنص، والتي تعطي انطباعاً بان العمل لم ينجز بالوعي الكامل نظرا لان هذه النوعية من النصوص وكما يقولون، ليست جرارا متقنة الصنع، يضع الزيدي هنا تأثير اللاممكن والقائم على عواطف مستترة، من أجل أن يحل محل المشاركة العاطفية بغية جذب اهتمام المتلقي والتقائه مع طروحات النص.
الزيدي واجه القارئ، بتجربة محيرة تتألف من أحداث لا يجمعها منطق زمني، فكيف بأرواح تجتمع وهي تقف على مفترق طرق، أجسادها غادرتها منذ أربعين سنة، أين كانت تلك الأرواح، وأين ذهبت تلك الأجساد، في طرح ينفتح إلى عوالم أخرى أكثر اتزاناً من عالمنا، وكل قوانين الطبيعة تنمحي وتصبح بلا أثر، حينما نقرأ الحوار التالي:
«وحيّد: ما معنى أن تصل روحك للمكان بعدك بأيام؟
سعيّد: الروح تنام أيضا..»
وفي حوار آخر:
«سعيّد: روحي تؤلمني
وحيّد: الطبيب منعك أن تمشي على روحك ولكنك لا تسمع نصائح الأطباء.»
لقد اتكأ الزيدي، في نصه على نظرية إحالة الأشياء إلى غير ما هي عليه في الواقع (الأزمنة، الأمكنة، الأفكار، الأحداث، اللغة، الألوان، الكائن البشري)، حتى أننا يمكننا العثور على جماليات هذا النص، من خلال قدرة الكاتب على صياغة نوعٍ من أنواع الدهشة العقلية، تلك الدهشة التي أمسك الزيدي بناصيتها بغية تعرية الشخصيات من أردية الآن، عابرا بهم إلى منطقة الحلم، عبر تقنية استرجاع اللحظات العميقة التي لا تتأثر بالزمن أو المدة. لقد عبّر الزيدي في هذا النص عن حيرة الشخصيات العميقة في التعامل مع الحقائق، رغم أنهم عالقون في برزخ الحياة، التي رمز إليها الزيدي بالتقاطع الضوئي الذي يُنتظر منه أن يتلون تارة بالأحمر وتارة بالأخضر، فالحقائق عند شخصيات النص فقدت استقراريتها، والعوائق صارت بؤرا للإحساس بالخجل، والشخصيات واصلت جلد ذاتها بأنها مسؤولة عن جهلها بل حتى عن لا مسئوليتها عن ذلك:
«حميّد: كنت أسأل نفسي سؤالا عن الحياة ولا أعرف الإجابة.. حتى أنني الآن نسيت ما هو السؤال.. رغم إصراري العجيب منذ أربعين سنة على معرفة الإجابة.. «
ذهب الزيدي في هذا النص، إلى ما ذهب إليه يونسكو، من حيث تأثيث الزمان والمكان بعيداً عن المنطق المتعارف عليه، وهو ما يمكن تسميته بدراما الساعات المكسورة، بمعنى أن شخصيات المسرحية تعيش في عالم توقفت ساعاته فيتولاها الارتباك مما يجعلها كمن يجوب عالما غير واقعي انعدم فيه الزمن وكأنه في حلم أو كابوس، وهذا نابع من فرضية النص وتعامله مع النظرة التشاؤمية من الحياة، إذ أن توقف الزمن يرتبط بحالة السأم التي يعاني منها إنسان هذا العصر في ظل توقف مسيرة الحياة نحو الطمأنينة.
عمد الزيدي في هذا النص إلى تدمير اللغة ثم إعادة بنائها، الأمر الذي جعل من النص مساحة للتأمّل وللتفكير بالكلمة باعتبارها صيغة من صيغ المعرفة. ولا يخلوا هذا النص من الكوميديا، خصوصا تلك المفردات الشعبية التي تتلاقى مع رغبات المتلقي، ومن أجل التخفيف من حدة خطاب النص، غير إنها ليست غاية، هي داخلة في بناء النص، على أنها خليط من المفجع المضحك، باعتبار أن السخرية والتهكم وسيلة لدرء الجنون، والبقاء على قيد عالم لا منطق له. كذلك، فإن اللغة عند الزيدي، خرجت عن طابعها القديم وتمردت على الواقع، فكان لابد أيضا أن يتمرد الحوار المسرحي ويخرج عن طابعه أيضا،  فالحوار هنا ارتبط بحالة العجز التي اكتنفت اللغة، الأمر الذي حدى بالزيدي إلى اتخاذ سلوك جديد تجاه الحوار مختزلا إياه إلى مركّز لاستمرار التعبير عن الفعل، فمع تهشم اللغة والحوار المسرحي تتهشم دواخل الشخصيات المسرحية، التي افتقدت في معظمها إلى الاستقرار، حتى بدت صبيانية في سلوكها وأفكارها وتوجهاتها، رغم سبعينياتها:
«وحيّد :ستدهسنا السيارات المسرعة التي تريد اللحاق بالحياة!
سعيد : حياة من هذه؟
وحيد : خطيبتي
سعيد : ومن قالك لك بان اسم خطيبتك حياة!
وحيد : اقترب قليلا
سعيد : أين اقترب
وحيد : من قلبي.. الطبيب قال لي مرة إن قلبك لا ينبض مثل باقي قلوب البشر دم تك.. لا عيني.. إنه يردد.. حياة دم حياة تك.. خاف الطبيب من الموضوع وطردني شر طردة لأن قلبي لا يردد دم تك مثل باقي البشر»
وتماشيا مع غرائبية النص، أجلتُ الحديث عن العنوان حتى النهاية، ذلك العنوان الذي أضاف بعداً جمالياً وعمقاً دراميا، حينما خرج هو أيضا عن مساحات المألوف، وسيدرك القارئ مع آخر حواراته الدلالة التي أرادها المؤلف من ذلك العنوان الغامض بقدر وضوحه، والموارب بقدر انكشافه، والمكثف بقدر طوله، في جملة حوارية ممسرحة، يطرق بها الزيدي أبواب التجريب، ويدخله، ثم يستقر فيه. فاز بالمركز الثاني في المسابقة ذاتها، الكاتب المصري إبراهيم الحسيني، عن نص مسرحية «وصفة للاستمتاع بالقتل»، وفازت بالمركز الثالث العمانية الدكتورة عزة القصابي عن نص مسرحية «جي6».



المشاركة السابقة