جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » متابعات


انطولوجيا القصة التركمانية


ضياء الخالدي  لاشك ان صدور كتاب في القص التركماني في العراق يمثل اهمية ينبغي التوقف عندها ، والنظر اليها بجدية ورؤية دقيقة للوصول إلى عوالم هذا السرد المكتوب اغلبه بلغة ثانية ، واقترن بفضاءات شديدة الخصوصية بالموروث الذي يحمله ، وبالمناطق الآهلة لبنية التفكير والمشاعر عند الفرد التركماني في بلد متعدد الاثنيات والطوائف
... تلك الصورة لا تجعلنا نظن ، او نتصور لاول وهلة ان القاص التركماني قد انطلق من هاجس الدفاع عن معتقداته وهويته الصغرى بشكل متعصب ، بل كانت منطلقا لشمولية مركزها الانسان ، وعبر مسيرة ابتدأت كما ارادها كتاب " اوان الورد في كركوك ، انطولوجية القصة التركمانية العراقية المعاصرة " بالقاص فتحي صفوت قيردار المولود عام 1896 وانتهت بالقاصة سلمى ابلا وقصتها " من يكره البحر " وضم الكتاب ايضا ثلاث دراسات عن تاريخ القص التركماني ، كانت خير بوابة لنتلمس الطريق ونحن نلج عوالم هذا الادب ، ونقترب من منابعه الملحمية وحكاياته القديمة ، ومسروداته الشفاهية التي مازالت تؤثر ، وتحدد مسارات الحاضر في تكوين الثقافة التركمانية وتوجهاتها صوب ثقافة عراقية شاملة ...
تاتي اهمية الكتاب اذن من هاجسه التاريخي اولا بتقديم هذه السرد لنماذج مختارة من قبل القصاصين انفسهم لاعطاء صورة جيدة عن ادبهم ، ورغم ذلك فاننا سنترك الحديث عن القضايا الفنية والنقدية ، لوجود نصوص لا يمكن ادخالها كنماذج متطورة تعبر عن واقع الجهد الكبير ، وعن الحلم الذي بدأ اوائل التسعينيات كما قال د . نصرت مردان واراد تنفيذه مع د . محمد عمر قازنجي ، وكان لهما ما تمنياه عام 2009 باصدار هذه الانطولوجيا . فالكتاب ننظر اليه من زاويتين عند القراءة ، الاولى تاريخية عامة باعتباره جهدا ينفع الدارسون والمهتمون والمطلعون والمحبون لعوالم القص ، والثانية فنية ترتبط بالقصاصين الشباب او المستمرين بالكتابة حتى الان ، وهؤلاء يمكن ان نقيم نصوصهم ، ونطلق اراءنا النقدية كدارسين ومتلقين دون اعتبارات زمنية ، وحين تكون ليست بقيمة عنوان الكتاب فان الامر ينسحب اولا على القصة التركمانية ، والعكس كذلك .
كما ثمة سؤال علينا ان نطلقه . ماهي المعايير التي تجعل تلك القصة تنتمي للادب التركماني في العراق ؟ سؤال شائك لابد لنا ان نجيب عليه بتكهنات اولا . نتساءل ، ونقول ، هل يكفي ان يكون القاص تركمانيا ؟ او يكتب باللغة التركمانية سواء بالاحرف العربية او اللاتينية ؟ او من يعبر عن الموروث الخاص للتركمان ، وعن قضاياهم ورؤيتهم حتى لو لم يكن تركمانيا ؟ الدراسات الثلاث لم تجبنا عن ذلك ، لذا نتوقع ان تكون كل هذه الامور مجتمعة تعطي الحق ، وتزودنا بملامح النص التركماني العراقي ، وهويته التي بالتاكيد لا تنفصل عن هموم القصة العراقية وتطورها الاسلوبي منذ كتابات محمود احمد السيد المبكرة وحتى الان . على الرغم من تجذرها الطبيعي ، وارتباطها الحميمي بالادب التركي وملحمياته " ددة قورقوت مثلا " هذا الارتباط شكل نافذة للسرد العراقي تطل على تلك المناخات والاجواء المختلفة ، وهذا ما اغنى قصتنا العراقية ولنا امثلة كثيرة ابرزها بعض كتابات جليل القيسي ، واليات تاثيث نصوصها السردية .
ذلك التاريخ الممتد منذ اول قصة قصيرة محلية " تركمانية عراقية " عام 1909 ، وكان عنوانها " مبارزة عشق " للقاص كركوكلو محمد نديم ، لا يعطينا يقينا بازدهار هذا الفن السردي رغم مسيرته الطويلة ، فالشعر قد استحوذ على اهتمام الادباء التركمان ، ونسجوا صورة واقعهم ورؤاهم عبر القصيدة باشكالها كافة ، وبقيت القصة تخضع لمصادفات بظهور قاص هنا او هناك ، او شاعر او ناقد يكتب قصة او قصصا متفرقة وينشرها ، وهذا ما جعلها برأيي تقف بالصف الثاني بعد الشعر ، وتلك المسالة سمحت بمرور نصوص قصصية إلى النشر لا تصمد امام النقد ... هذه وجهة نظر خاصة يمكنني تبنيها بقولي ان القصة التركمانية مدللة عند الدارسين والنقاد التركمانيين انفسهم ، فمن ينظر مثلا للاصدارات والدوريات والصحف التركمانية وما تنشره من قصص قصيرة – طبعا يوجد استثناءات – نلمس ان لا نقدا هناك او تقويما او امكانية عدم نشر قصة تركمانية . الجانب الاحتفائي موجود وكأن الغاية اظهار الصوت التركماني فقط .  ان وجود النقد ، ومنع قصة او عشر قصص من النشر لكاتب ما ، سيجعله يعيد النظر بقناعاته وادواته الفنية ، وسيجتهد اكثر بالقراءة والبحث في اروقة هذا الفن السردي عبر تجارب عالمية ومحلية امتلكت الاعجاب . لذا حسب وجهة نظري ان منافذ النشر التركمانية تساهم بتدني القيمة الفنية للنص القصصي التركماني حين تكون متساهلة بالنشر ، وهذا اعطى رواجا لمقولة او تهمة التصقت بصحف خارج هذه المنافذ ، وخارج مدينة كركوك ايضا ، بان هناك قصدية بعدم السماح بنشر نص لكاتب تركماني ... ماذا يفسر ضآلة ما ينشر من قصص لكتاب تركمان في صحف العاصمة الكثيرة ؟ وطبعا نقصد تلك الصحف التي يشرف على نوافذها الثقافية محررون لهم وزنهم ومكانتهم الادبية في العراق ؟ بالتاكيد هذا ليس مقياسا وحيدا للنجاح ، فهناك الصحف العربية ، والمسابقات الادبية ، ودعوة اسماء تركمانية لمؤتمرات القصة في العاصمة او غيرها خارج كوتا كركوك الرباعية المعروفة . لكن ربما ثمة حركة نشيطة باللغة الام للنص ، غير ان هذا النجاح لا يبدو انه قد وصل إلى مرحلة الابهار ، بحيث يترجم إلى العربية او غيرها من اللغات قصصا تركمانية نرفع القبعة لها ...
كانت الدراسات الثلاث في صدر الكتاب في غاية الفائدة لانها قدمت لنا خارطة للطريق ، انارت الماضي ، وزودتنا بملابسات تشكل شخصية القصة التركمانية في العراق ، ومن هم روادها ؟ كيف انطلقت بتجارب ذاتية ، واقتباسات وتناصات مع نصوص اخرى ؟ وكيف ازدهرت واتخذت شكلها الابداعي الخاص بها منتصف الثمانينيات من القرن الماضي ؟ تاريخ يمثل منبعا يصب في القصة العراقية وبملامح تميزه عن غيره ، وهذا يجعل حدسنا صائبا بامكانية وصول النص القصصي العراقي إلى اماكن اكثر تاثيرا ، والاستفادة من التجارب الكبيرة التي مرت بوطننا، وعاشها الجميع دون استثناء ، والقاص التركماني بالتاكيد لديه ما يعبر عنه ، وبرؤية فنية عالية



المشاركة السابقة : المشاركة التالية