جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » انثويات


سجود


لانا عبد الستار
سجد الجميع ما ان ظهرت الملكة. كانت، كعادتها، تشع مثل زمردة وكان ثوبها اللؤلؤي ينسدل طويلا ليزيدها عظمة فوق عظمتها. شعرها من الأمام يرتفع يكلله تاج من أحجار كريمة، فيما ينزل كثيفا مغطيا ظهرها، وعنقها يزدان بقلادة ذهبية على شكل ثعبان. تقدمت خطوات نحو العرش حيث فاح منها عطر الصندل، فيما راحت جباه الساجدين تلتصق بالأرض.
وقفت أمام العرش وأومأت برأسها فتقدم الكاهن الأكبر قائلا بصوت حرص ان يسمعه الجميع بوضوح:
ـ جلالة الملكة تأمركم بالنهوض.
ارتفعت القامات عن الأرض. جلست على عرشها وصرح الكاهن للحضور بأنهم يجتمعون اليوم لتعيين الشاب أوزارا ليقوم بمهام والده الذي توفي وسوف يمنح له شرف العناية بقدمي الملكة.
نادى الكاهن على أوزارا فتقدم شاب طويل القامة، بهي الطلعة، قوي البنية سجد أمام الملكة. وبعد ان رفع قامته أمره الكاهن ان يردد وراءه بأن يكون مخلصا للملكة طوال حياته وان يفديها بروحه.
ردد أوزارا محاولا إخفاء ارتباكه الشديد. اخذ الكاهن قليلا من آثار بخور محترق في اناء فخاري ونثره حول أوزارا وقال بصوت مرتفع :
ـ جلالة الملكة لقد غدا أوزارا منذ اليوم العبد المكلف بالعناية بقدمي جلالتك.
أغمضت الملكة عينيها وابتسمت.
كان على أوزارا منذ ذلك الوقت ان ينتقل للعيش في بيت العبيد التابع للقصر وبدأ يقاد كل صباح بأمر من اونيس المسؤولة عن العبيد المكلفين بالعناية بجسد الملكة من جوار متخصصات بغسيل شعر الملكة وتصفيفه وأخريات بالعناية بتنظيف جسد الملكة والباسها ثيابها واخريات للعناية بيديها، اما القدمان فكانتا تأتيان في آخر المطاف وكان على أوزارا تحديدا القيام بذلك كون قدمي الملكة تمتلكان بشرة غاية في النعومة والحساسية وبحاجة لعناية خاصة من أوزارا الذي تتلمذ على يدي والده الذي قضى حياته في العناية بأقدام العائلة المالكة.
بدأ أوزارا باستذكار دروسه التي كان والده يحرص على ان يذاكرها بدقة واهتمام وكان يقضي الليل ساهرا وهو يقرأ كتب الأعشاب والزيوت العطرية والخلطات الطينية التي تناسب قدمي الملكة، وبعد ان يقوم في الصباح بالعناية بقدميها يذهب للجبل يجمع الزهور البرية ويجلبها لغرفته ويبدأ بفرزها واستخلاص زيوت بعضها وعجن البعض الآخر حتى يحين وقت استيقاظ الملكة من قيلولتها فيباشر بعدها العناية النهارية بقدمي الملكة ثم يعود لمذاكرة كتبه حتى يحين موعد نوم الملكة فيذهب لعمل التدليك الخاص بقدميها قبل النوم.
لم يكن اوزارا يعير اهتماما للشوك الذي يدمي اطراف اصابعه و هو يبحث بجد عن نبتة الماريغولد  و الارنيكا في اعالي الجبال وكان يحس بمتعة كبيرة وهو يلتقط الاصداف من شاطئ البحر ليطحنها وينقعها في ماء ويسقي بها قدمي الملكة لتكسب عظامها قوة وتحميها من الالم وتحولات الزمن. وكان يحس بسعادة بالغة وهو ينظر ليديه المخضبتان باللون الاحمر وهما تهرسان التوت البري ليصنع منها لبخة خاصة لقدميها المتعبة في الكرنفالات. وفي الاعياد كان يسكب خمرا من اوراق العنب الاحمر احتفالا وبهجة وليقبضا بعض الاوردة المنتفخة التي قد تسبب الما لها.
غرفته كانت أقرب إلى المختبر منها إلى مكان للعيش فهي ملأى بالزجاجات التي تحوي زيوتا مختلفة واكياسا قماشية تمتلىء بالازهار المجففة وادوات للمزج والتحريك والطحن ومكاييل وملاعق خشبية ومعدنية. وكان يبتكر من حين لآخر انواعا خاصة من المناشف لتتلاءم مع طبيعة قدميها ففضلا عن القطن والكتان والحرير انتبه إلى ان صوف غنم الشفيوت يريح قدميها اكثر في الشتاء ووبر الجمل في الصيف اما جلد الغزال فكان يجعلها تستريح عليها في الليل.
المعضلة الحقيقية التي ارهقت تفكيره هي ايجاد مادة عطرية مناسبة لوضعها في احذية الملكة لتتناسب مع طبيعة قدميها. وبعد بحث مضن وتجارب كثيرة اهتدى إلى طيب مستخرج من بعض غدد سنور الزباد والذي كان الحصول عليه يتطلب منه جهدا كبيرا.
في الايام الاولى كان بعد عودته لغرفته ليلا يقوم بعمل خريطة خاصة لقدم الملكة ويحدد مراكز الالم والضعف فيها ويطبق ما في الكتب التي عنده على الاماكن التي في القدم والتي لها علاقة بالجهاز العصبي والقلب والكبد والمناعة. حفظها عن ظهر قلب واستثمرها بدقة محاولا الحفاظ على اجهزتها للبقاء تعمل بملوكية عالية من نشاط ونقاء وصفاء نادر.
مضى قرابة الشهرين على عمله دون ان ينطق بكلمة واحدة مع الملكة مباشرة. كان يبدو وهو يعمل وكأنه آلة تقوم بعملها وتقف عند الانتهاء إلى ان جاء يوم قالت الملكة له فجأة وهو يدلك قدميها قبل ان تنام:
ـ سمعت ان هناك ينابيع مياه ساخنة في المملكة أريد ان تدلك لي قدمي بمائها.
ارتجفت يداه وهما تنزلقان بزيت الكامومايل العطري وقال:
ـ أمر جلالتك مطاع.
لم ينم تلك الليلة وهو يفكر بالطريقة التي يجلب ماء الينابيع للقصر وهي ساخنة إلى ان خطرت له فكرة خاف من جرأتها وتراهن مع ذاته ان كان يستطيع ان يقولها. استجمع قواه في صباح اليوم التالي وقال وهو يمرر على الكاحل الأيمن معجون زهرة الليلاس:
ـ جلالتك لقد فكرت بموضوع مياه الينابيع..ما رأي جلالتك بان نقوم بذلك عند الينابيع مباشرة لكي نستفيد من حرارة المياه والمعادن التي تحتويها.
صمتت الملكة لبرهة فيما كان قلب أوزارا يخفق بشدة ثم قالت:
ـ حسنا انها فكرة جيدة ..غدا عند شروق الشمس كن هناك.
جاءت اليه متخفية بثوب من قماش كتاني ابيض اللون وترجلت عن حصانها بينما أوزارا تتملكه الدهشة. قادها إلى كهف قال لها ان به أفضل الينابيع. استلقت على الأرض وكانت أبخرة المياه المعدنية تتصاعد من كل الجهات. رفعت ثوبها الكتاني حتى ركبتيها وراح أوزارا يغرف المياه بإناء فخاري ويسكبه على ساقيها وقدميها ويدلكهما بيديه الخبيرتين. يومها سمع ضحكتها للمرة الاولى.
دام ذلك طويلا وأوزارا مع قدمي الملكة لا يرفع بصره عنهما مستشعرا نبض الملكة الخافت مستلذا باسترخائها وباستسلامها لأصابعه. كان قريبا من قدميها حتى ان الملكة شعرت بقوة انفاس أوزارا الدافئة وهي تتابع قطرات الماء.
قالت له وهي تغطي فمها بوشاح وتعتلي حصانها بكل خفة بان عليه ان ينتظرها كل صباح عند هذا الكهف ومضت مبتعدة فيما بقي أوزارا سارحا في المرأة التي راها اليوم بعيدا عن الجواهر والثياب الملوكية والخدم والحشم.
في تلك الليلة حلم بأنه يسكب سائلا بلوريا من اناء شفاف يتحول الى ضوء عندما يلامس جسد الملكة. في حلمه ارتفع عن قدميها حيث فخذاها ثم رأى نهديها، وعنقها يشع نورا عجيبا كانت تنظر اليه بعينين دافئتين. افاق والفرح يغمر قلبه.
منذ تلك الليلة صار يوقد شموعا عند قدميها وقت التدليك الليلي ليستحضر ذلك الحلم الضوئي فيغرق بفرح وهو يمرر إنامله على باطن قدميها فيرى اصابعها تنحني نحوه وكانها تخاطبه.
كانا يلتقيان كل شروق شمس في الكهوف وفي النهار وقبل النوم في القصر. بدا له انه يدلك أقداما مختلفة ففي الكهف كانت قدماها مسترخيتين نديتين طريتين وفي القصر متصلبتين جافتين. في الكهف كانا يتحدثان باسهاب وسلاسة بأمور شتى اما في القصر فكلماتها مقتضبة قليلة.
في احد الصباحات قال لها بانه يود ان يأخذها إلى البحر والجبل والسهول. وافقته على الفكرة فأخذها للبحر وغسل قدميها بمائه ودلكهما بطينته وبعدها تمشيا على البحر ورأت الصيادين كيف يلقون بشباكهم في بحر المرمر وأخذها للجبل. كان يجعلها تستلقي على بطنها ويقوم بعصر الأزهار البرية الجبلية على كاحليها فيما يسترق النظر لشعرها الذهبي المشع تحت أشعة الشمس. في الكروم رأت الفلاحين كيف يحرثون ويزرعون ويحصدون.
يوم الشمس كان هو اليوم الذي خصصه أوزارا لتقليم اظفار قدميها والذي كان يعد له طقسا تعبديا يليق بجلالتها وقدسية اجزاء نمت في جسدها. كان يقلمها بكل تبجيل لانها رافقتها اسبوعا كاملا بعدها يضع على كل منبت ورقة من ورد جوري لينمو الاظفر الجديد بحنان ,كان يجمع القلامات بكل رفق ويسربها في جيبه كل مرة ويتنفس الصعداء عندما يعدها في غرفته ليتأكد انها كاملة، ويحتفظ بها ككنز ثمين.
في المناسبات كان يؤرقه ان تكون قدماها جميلتين جمالا اخاذا وكان يهتم بان الحضور عندما ترتفع هاماتهم عن الارض تشع في عيونهم نورا ساحرا فينثر على قدميها مطحون اللؤلؤ قبل ان تغادر غرفتها.
وعندما جاء الربيع بدأ شعب مملكة نيروزا بالتحضير ليوم جلالة الملكة. الشعراء ينسجون قصائدهم لتبجيل جلالتها والراقصون والراقصات يتدربون لأداء فنونهم أمام عظمتها. كان الكرنفال السنوي الذي يقام في الخامس عشر من شهر آذار مناسبة ينتظرها الكثيرون لتمجيد ملكتهم.
وعندما تقدمت ببهائها المعتاد صمت الشعب كله. انتظر الساجدون أمرا من الكاهن الأكبر بالنهوض تفاجأوا بصوت ملكتهم يسمعونه اول مرة:
ـ يا شعب نيروزا العظيم انهضوا ولتكن هذه آخر مرة تسجدون فيها لي.
ألقت الملكة خطابا أثار دهشة الجميع قالت فيه ان هذا اليوم سيكون اسمه منذ اللحظة يوم الشعب بدلا من يوم الملكة. وقالت ان على القصائد ان تمجد ارض نيروزا وشعبها وان على شباب المملكة ان يرقصوا كما يرقص الفلاحون والصيادون. وانه قد الغيت العبودية في المملكة وسيتم عمل دستور جديد للمملكة بعد التشاور مع علماء وأدباء ومفكرين. كانت تتكلم بنبرة هادئة مليئة بالثقة والقوة والشعب يتهامس بسعادة بالغة غير مصدق فيما كان قلب أوزارا يرقص بانتشاء وكفاه تتعرقان وهما تنضحان  برائحة قدمي زولاف.



: المشاركة التالية