جريدة تاتوو » الأخبار » اقسام الجريدة » ثقافات


موجات الأطلس


جيوفانا رفيرو سانتا كروز*
ترجمة: تاتو
كان الأمر مسألة وقت. أمور كثيرة في الحياة كانت مسألة وقت. و قد اعتادت، و هي فتاةٍ صغيرة، أن تجلس على الجدران القصيرة التي كانت تحيط بتلك البيوت المتماثلة ذات الأسلوب الأمريكي.
و بينما هي تؤرجح ساقيها في قصورٍ طفولي، بطريقة غير رشيقة، مرتديةً حذاءً لمَّاع الجلد، و جواريب أُصلحت عند العقبين، كانت ستجشّم نفسها عناء عدِّ الثواني ــ واحدة، اثنتان، ثلاث، أربع ــ و أحياناً كانت تكررها لترى إن كانت ستتوقف ــ واحدة، واحدة، واحدة و نصف، واحدة و ثلاثة أرباع ... لكن لا. كان الوقت أشبه بعملاق متحجر القلب يخطو ثقيلاًعلى الشباب بخطواته الهائلة و ليس هناك ما يمكن فعله إزاء ذلك. ثم كان هناك البرعمان الخجِلان اللذان ظهرا على صدرها، و انتعاش عضوها الذي كان يوحي بمرور الأيام المؤثر الصامت ــ واحدة، اثنتان، ثلاث، أربع، أربع و نصف ... كانت الأيام التي تنتهي، التي كان عليها أن تنتهي، مسألة وقت، كالحب، أو كالموت نفسه. طاولة العمليات الجراحية حيث مبحث التخدير يُنشد بعذوبةٍ العد التنازلي العكسي للنوم، ترنيمة التنازل : عند عدِّك عشرة ستسقط نائماً بعمق. النوم المغناطيس لروتيننا اليومي، أرجحة الساقين في ضجرٍ صامت. تسع، عشر، إحدى عشرة، ثلاث عشرة، عشرون. و  كانت كذلك قد تعلمت المشي في خطوات. و كان يمكنها أن ترى نفسها، تمثل في تمثيليات خيالية، مثل فنانة الشوارع، و هي على ساقين خشبيتين هائلتين، رائحةً غادية بسرعة في الشوارع، دائرةً في دورات خطرة على أصابع القدمين بأمل أن تستخرج قليلاً من النقود من السائقين الذين يُطلقون منبهاتهم، و قد أصابهم اليأس من إمكانية التحرك، و هم يعدّون الثواني التي يستغرقها تغير ضوء المرور من الأحمر إلى الأخضر. أجل، كانت قد قامت بخطوات. “ يبدو ذلك شبيهاً بالبارحة تماماً إذ تزوَّجتِ و تحصلين الآن على الطلاق “، كانت أمها قد قالت لها ذلك، مع أنها ما كانت تريد أن يبدو ذلك هكذا، لوماً. ثلاثون، واحدة و ثلاثون، خمس و ثلاثون سنةً من العمر. أربعون، ثلاث و أربعون كبسولة. ما كانت تحتاج إليه هو أن تكون قادرةً على كبسلة الوقت. لكن الوقت لم يُصبح مكبسَلاً إلا في الروتين. الوصول إلى الفندق في الموعد، و هي تضع مئزرها، و غطاء رأسها المضحك، ذلك لسببٍ ما غريب جعلها تشعر بأنها جنسية، ربما فلم ما محظور كانت قد شاهدته بين أصابعها، و باب المرحاض مفتوح جزئياً، بينما أمها كانت تستقبل زوّاراً ذكوراً في غرفة نومها. الغرفة خمسة، الغرفة ستة، الطابق الثالث، الطابق الرابع. كان الوقت مكبسَلاً هناك، حيث كانت الشراشف الزرق توضع كل ثلاثاء و المناشف تُغيَّر فقط أيام الخميس. كانت تُحب أيام الأربعاء لأنها الأيام التي توضع فيها شراشف الأطلس، ترويج فندقي : “ ترف منتصف الأسبوع بنصف السعر”. و في أيام الأربعاء كانوا يصلون أزواجاً، و هم يمصّون أعناق بعضهم بعضاً مثل مصّاصي دماء متعطشين، متجنبين الشمس،و  جلودهم تتفسخ في  الظلمة. و كلَّ خميس صباحاً كانت تجمع الخلايا غير المرئية المنثورة على شراشف الأطلس. و كانت تنتظر أيام الأربعاء، اللمس البارد، الناعم لتلك الشراشف. كانت مسألة وقت. لكن الوقت أصبح أيضاً مرهَقاً، صار متعَباً من نفسه، ما عاد بوسعه التوقف أو الاستمرار، كان يضغط جزءاً ما من بدنه هو. كان يمشي ثقيلاً على هياكله، ساعته الداخلية حيث عقرب الدقائق يتهم الأرقام بقسوة. كانت فقط تريد أن تستلقي، أينما كان، ربما على فراشٍ ما، ما زال دافئاً من أجساد مصاصي الدماء الجوَّالة أولئك. لماذا لا؟ نامي، و دعي الوقت يمر كما يشاء، دعيه يشيخ وحيداً، و بذلك لن يحتاج للمس وجوه الناس، لترك بصماته الرهيبة. ألم يكن الوقت كافياً في حد ذاته؟ كما هي الحال مع كأس ماء يروي عطشه هو. من المحزن شرب كأس من الماء، كأس شفّاف، ماء شفاف. لكن شرب كأس من الماء شيئاً فشيئاً، عدّ الأقراص التي تمر من خلال المريء نحو جزءٍ ما من الجسم و إلى داخل مجرى الدم، إرخاء العضلات، تلك مسألة وقت. ألقت بنفسها و وجهها إلى أسفل على الفراش المعزول و أغمضت عينيها؛ ثم بدأت تحرك ساقيها، و هي ترفعهما، راكبةً دراجةً، حتى لم تعد تستطيع أن تشعر بحركاتها و بدا أن شراشف الأطلس قد ذابت و تحولت إلى موجات حريرية، حيث لم يكن هناك ما يُعدّ كلياً. عند عد عشرة ستكونين نائمة، قالت لنفسها برقة. شعرت قليلاً بغثيان، ربما من الكبسولات التي كانت قد ابتلعتها.و جعلها ذلك تغيّر أوضاعها، لتكوِّر ساقيها، كما لو كانت تشعر بالبرد، مؤَرجَحةً على موجات الأطلس. 
* كاتبة بوليفية



المشاركة السابقة : المشاركة التالية